عنزة.. ولو طارت!

حكاية هذا العنوان صارت مثَلاً يعرفه حتّى تلميذ المدرسة الابتدائية، ولكنّ البعض في لبنان يسمعه ويردّده ولا يريد فهمه. وقد ذكّرني بهذا المَثَل كلامٌ قرأته في بعض الصحف اليومية، منسوباً إلى بعض السياسيّين الأذكياء جدّاً جدّاً، يستهجنون المسيرة التي دعا إليها حزب الله في الضاحية وفي مناطق أخرى.

خلاصة اللوم والتنديد والاستهجان ـ وهذا من كلماتٍ وردت على ألسنتهم ـ أنّ حزب الله حشد تلك الجموع ليُظهِر للبابا أنّه أقدر على حشد الناس، وقال واحدٌ آخر أنّه كان يتوجّب على حزب الله أن يؤجّل مسيرتَه لأيّامٍ عديدة بعد مغادرة البابا لبنان، و«أرخون» (والأرخون هو قليل الإدراك والمتسرّع ومدّعي المعرفة) ثالث قال أنّ حزب الله أراد المزايدة على مسيحيّي 14 آذار. لكنّهم جميعاً لم يفكّروا بالمناسبة، ولم يستمعوا إلى خطاب أمين عام الحزب يوم الخميس أو الجمعة الماضي، حين قال أنّ الحزب يؤجّل المسيرة الاحتجاجية إلى ما بعد انتهاء زيارة قداسة البابا. وهذا ما حصل، قلنا مرّة أنّهم يعرفون لكنهم لا يفهمون.
يمكن أنّهم جميعاً لم يستمعوا إلى ما قاله السيد نصر الله ولم يسمعوه بقلبٍ ملؤه الاحترام لقداسة البابا والتقدير للزيارة. السبب أنّهم مطالَبون بإدانة الحزب، ولقد عُرِف عنهم الطاعة والولاء، على قاعدة.. عنزة ولو طارت.

لو أرجأ حزب الله مسيرته، فهو مُدان، ولو لم يؤجّلها فهو أيضاً مدان ومتّهم، ربّما بإثارة النعرات الطائفية والاستهتار بالزيارة، المَثَل الشعبي يقول: «احترنا يا قرعة من وين نبوسك».
لا أعرف طبعاً كيف يتصرّف حزب الله، أو كيف تتّخذ القرارات فيه، لكنّني على يقين أنّ حزباً بهذه المكانة، لا يفكّر كما يفكّر أولئك البعض. حين يتّخذ قراراً كقرار المسيرة، لا يسأل: ماذا سيقول فلان ولا ماذا سيفعل أو كيف سيتصرف علّان.

ماذا لو تيسّر بعض الفهم والإدراك، بل ماذا لو تيسّر بعض الإخلاص للبنان ومصلحة لبنان، وفَتَح البعض عيونهم وأطلقوا ألسنتهم بالنقاط الإيجابية في المسيرة وفي خطاب السيد نصر الله وقادة الحزب جميعاً؟ ماذا لو نظروا إلى ما قاله ويقوله علناً ـ والقول علناً يعني تحمّل مسؤولية ما يقال ـ عن العيش المشترك وعن وحدة الأديان وحرمة الأنبياء، وعن المطالبة بقرارات دوليّة تحرّم الإساءة إلى الأديان السماوية كلّها ـ ومن ضمنها أساساً الدين المسيحي؟ علماً أنّ بعض تجّار المسيحيّة من ساسة لبنان يصمتون صمت القبور عن الإساءات التي يوجّهها الصهاينة إلى الدِّين المسيحي بكلّ أسسه ورموزه، علناً ومباشرة وبعشرات الكتب التي تتجنّى على الدِّين المسيحي.

هل قرأ المثقّفون من الساسة المسيحيّين كتاباً صهيونياً عنوانه «الثلاثي أو التثليث غير المقدّس»، الذي يربط فيه المؤلّف بين قداسة بابا روما و«الطاغيتين»: ستالين الشيوعي وهتلر النازي؟ ويسمّيهم جميعاً «الثلاثي غير المقدّس» ويدنّس كلمة التثليث؟ أين حماستهم؟ أَم أنّ البابا بنيدكتوس يختلف عن بابا آخر. أَلَيسوا جميعهم يحملون صولجان بطرس؟
وغلاف الكتاب يحمل رسم مثلّث في زاويته العليا صورة بابا روما وطرفا قاعدة المثلّث «غير المقدّس» يحملان صورتَيْ هتلر وستالين.
عنزة ولو طارت! صحيح أنّ الغرض مرض.

لماذا لا نفتّش في كلمات السيد نصر الله عن الإيجابيات التي تشير إلى المحبّة والتسامح، وإلى الدفاع عن المسيح كما عن محمد، ولماذا لا نرى في الحشد أنّه ردّ على زارعي الفتنة بتشويه صورة الرسول، وهذا العمل لا يطاول المحمديين فقط، بل يطاول الجميع. كان في مقدور السيّد نصر الله أن يدعو إلى الحشد أثناء زيارة البابا لكنه لم يفعل. هلا نسأل أنفسنا: لماذا لم يفعل؟
قليلاً من العقل أو التعقّل أيّها المتاجرون بالطائفية المقيتة، أيها المتفذلكون والمَهَرَة باللعب على الكلام. هل لا يزال هناك متّسع لحوارٍ عقلانيّ؟ أَم هي عنزة ولو طارت كرمى لعيون فيلتمان وبقية جوقة المايسترو؟!  

السابق
ربط نزاع مع واشنطن
التالي
حديث البقاء والهجرة من البلد