الحل السوري لم يعد ممكناً!

نعم، نحن نوافق الرئيس بشَّار الرأي بأن «الحل السوري» هو وحده المقبول لإنهاء الأزمة السورية التي وصلت إلى مشارف الحرب الأهلية. لكن هل هذا الحل ممكن. وهل في إستطاعة الرئيس بشّار تحقيقه بالطريقة التي إعتمدها والتي جعلت الجيش السوري يمارس واجباً غير ذلك الواجب الذي يقوم به الجيش الوطني. وزيادة في التوضيح نقول إن الجيش السوري ومن خلال وحدات خاصة وربما من مختلف الألوية يمارس دور رجال الشرطة أو الدرك، كما أن الذخيرة المفترَض فيها أن تكون لتدمير أهداف العدو الخارجي يتم استعمالها من جانب الجيش السوري المطارِد للمحتجين في تدمير بيوت وأسواق. وما نراه على شاشات الفضائيات يؤكد ذلك؟

من هنا نرى أن ثمة استحالة في أن يكون «الحل السوري» الذي يراه الرئيس بشَّار هو طريق الخلاص ونرى أن كلامه في المقابلة التي بثها التلفزيون الايراني مساء الخميس الماضي 28 – 6 – 2012 استباقاً لإنعقاد مؤتمر جنيف, قد يرتاح له المشاهد الإيراني لأن فيه بعض الإطراء لموقف الجمهورية الاسلامية إلى جانب نظامه كما فيه بعض النقد للموقف التركي. وليس خافياً كم أن أي كلمة ناقدة في حق تركيا وأردوغانها يحبذها أهل الحكم الإيراني الذين يرون في ما يفعله الأتراك بأنه تشويش على الطموحات الإيرانية في اقتناص سوريا لأن فقدانها يعطل لهم الحلم في أن يجعلوا من ايران ومعها سوريا والعراق ولبنان و«فلسطين الحمساوية» في غزة دولة كبرى تفرض نفسها على المجتمع الدولي بعد أن تصبح نووية وتطلب أن تكون العضو السادس في نادي مجموعة الــ «فيتو» أميركا وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين.

جاء كلام الرئيس بشَّار في المقابلة التي أجراها التلفزيون الإيراني معه يشكل سلفاً عدم الاستعداد للقبول بما بات يسمى «مبادرة كوفي عنان» لحل الأزمة التي يراها المبعوث الدولي – العربي حلاً وسطاً كونها تؤكد على اعتماد «أجندة» لعملية انتقالية ديمقراطية تبدأ بتشكيل حكومة وحدة وطنية من النظام والمعارضات الداخلية والخارجية وصولاً إلى الشروع في جولات من الحوار الذي يفضي إلى قيام نظام لا مطارَدات فيه ولا استهدافات، كما لا جيش نظام ينشغل للسنة الثانية على التوالي في شبه حرب مع محتجين باتوا أقوى شأناً في ضوء الانقسامات المتتالية في الجيش وانضمام ضباط وجنود إلى «الجيش السوري الحر».

من حيث المبدأ تبدو هذه «الأجندة» متوازنة وهي تشكل خشبة خلاص للمحنة السورية. لكن مع ذلك نرى الرئيس بشَّار يرفضها سلفاً ونراه يقول في المقابلة مع التلفزيون الايراني الآتي:
«إن أي نموذج غير سوري غير مقبول، حتى لو كان من دول كبرى أو صديقة لأنه لا أحد غيرنا يعرف كيف تُحل المشكلة. إن الضغوط لم تؤثر علىسوريا حتى الآن ولن يكون لها تأثير في المستقبل. ومن الخطأ الاعتقاد بأن أي عملية على غرار ما حدث في ليبيا ممكنة..». وحول تركيا قال: «هناك اختلاف بين موقف المسؤولين الأتراك والرأي الايجابي للشعب التركي تجاه سوريا..». وحول العلاقة مع ايران وما يقال عن تدخُّل عسكري إيراني في سوريا قال: «إنها مزْحة تهدف إلى إحداث انقسامات في الجيش. لقد وقفت ايران إلى جانب سوريا وعلينا إظهار الوفاء في المقابل..».
من حيث المصادفة تَزامَن كلام الرئيس بشَّار عبر التلفزيون الايراني مع كلام لوزير الخارجية الروسية لافروف خلال مؤتمر صحافي عقده في موسكو وجاء فيه: «إن شكل أي حكومة سورية جديدة يجب أن يحدده الشعب السوري..»

لا يستوقفنا هذا التناغم بين الوضع السوري والموقف الروسي من الوضع، ذلك أن هذا الموقف بدأ سلبياً وتَواصَل على السلبية نفسها، وبسبب هذه السلبية طالت المواجهة في سوريا وتبعاً لذلك ازداد العنف والخراب وازهاق الأرواح، وتابع العالم على شاشات الفضائيات أولاً بأول وقائع حية عما يجري. وبسبب الموقف الروسي الذي يدعي حرصاً على سوريا فإن الرئيس بشار أسلم نفسه لأحلام الخروج منتصراً من المحنة، وذلك على أساس أن روسيا دولة كبرى وأنها تملك سلاح الفيتو ولقد استعملَتْه مرتين وستظل تستعمله ما دامت لن تجني مكاسب من أي تسوية، وهي مكاسب تتم على حساب سوريا الوطن والشعب والنظام. ففي نهاية الأمر وعندما تسكت المدافع لن تسارع روسيا إلى المساعدة في إعادة تعمير ما جرى تدميره ولن تعوِّض على عائلات شُرِّدت أو فقدت أبناءها. ومعروف عن روسيا أنها تمد بالسلاح الذي كان شؤماً على سوريا بعد استعماله وعلى أيدي الجيش النظامي ضد المواطنين قصفاً وقتلاً وتدميراً. أما من يساعد فإنهم الأشقاء العرب الذين لم يأخذ الرئيس بشَّار بنصحهم.

من هنا يتمنى المرء لو أن الرئيس بشَّار يطوي صفحة هذا الرهان الذي لا جدوى منه ويرتضي «الحل السوري – العربي – الدولي» مع ملاحظة أنه لو إرتضى قبل سنة الصيغة التي تم اعتمادها مع الموضوع اليمني لكان هو والمعارَضات يتشاركون في تصحيح مغامرة أوصل عدم الأخد بتلك الصيغة إلى أن سوريا ستنتهي كدور كما إنتهى العراق من قبل. ومرة أخرى نقول: إننا مع الحل السوري لكنه مع الأسف لم يعد ممكناً.  

السابق
ثعلب في ميدان التحرير
التالي
التدمير في تمبكتو: من المسؤول عن هذا الجرم على الاولياء