ثعلب في ميدان التحرير

ثعلب صغير في ميدان التحرير، كثيف الذيل وغزير الفرو، يتلصص لسماع كل همسة، ومما قال: إن 50.7 من المصريين أدلوا بأصواتهم في انتخابات الشهر الماضي لرئيس الوزراء السابق لمبارك أحمد شفيق، في المقابل صوّت 49.3 لعضو حزب الحرية والعدالة من الإخوان المسلمين محمد مرسي.

إلا أنَ الجيش كان متخوّفاً جداً من مئات الآلاف من أنصار الإخوان المسلمين المتظاهرين في ميدان التحرير بأن يمنحوا النصر لمرسي.

لطالما كان الثعلب مخادعاً، لكنه ثعلب ذو علاقات متينة، ادعى أن مرسي قابل أربعة أعضاء قياديين في المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر وذلك قبل أربعة أيام من إعلان نتائج الانتخابات، وأنه وافق على أن يؤدي القسم أمام المحكمة الدستورية بدلاً من البرلمان المنحل، وهذا بالضبط ما فعله يوم السبت، حيث قال إنه ستكون هناك انتخابات أخرى في وقت لاحق من العام الجاري، إلا أنني مازلت أحتفظ بشكوكي.
إلا أن هناك حقيقة ساحقة خلف هذه الأقوال في حال صدقت، هي أن الاستخبارات الحربية المصرية غاضبة من تصرفات بعض أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة (بوجه الخصوص الأربعة الذين افترض أنهم قابلوا مرسي) وتطمح نحو ثورة للإطاحة بالضباط الفاسدين، على حد قولهم، ويطلق هؤلاء الجنود على أنفسهم "الضباط الأحرار الجدد"، في إشارة جديدة لحركة الضباط الأحرار التي أطاحت بالملك فاروق في الخمسينات.

عمّ التفاؤل ضباط الاستخبارات الحربية حيال الثورة المصرية العام الماضي، ووقع بعضهم ضحايا رصاص قناصة الحكومة بعد رحيل مبارك بفترة طويلة.

عليَّ القول إن أرجاء القاهرة جميعها تضج بما سمّي "الصفقة"، وإن كل الصحف تقريباً تملك فكرة عن كيفية تولي مرسي للرئاسة، على الرغم من ذلك يجب عليَّ أن أقر بأنه لا أحد ذهب بعيداً كالثعلب، كما يقول على سبيل المثال إن بعضاً من رجال الاستخبارات الحربية وبعض أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة يريدون إزاحة الجنرالات الذين يسيطرون على ثلث الاقتصاد المصري عبر صفقات مربحة تشمل مراكز التسوق والبنوك وكميات كبيرة من الممتلكات. ترى أين يقف مرسي من ذلك؟ حتى الثعلب نفسه لا يعرف.

من ناحية أخرى لا يوجد هناك أي تفسير معقول لسبب انطلاق شفيق إلى دولة الإمارات العربية المتحدة بعد يوم من إعلان نتائج الانتخابات، حيث كان قد قيل إنه ذاهب لأداء "العمرة" في المملكة العربية السعودية. إلا أن هناك أحاديث كثيرة عن دعوى قضائية ضد شفيق تعود إلى عهد مبارك.

هناك رجل افتقده الثعلب في اجتماع مرسي مع أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو محمد البرادعي، يقال إنه قد يطلب منه أن يكون رئيس وزراء لمرسي، إلا أن العالم النووي السابق الحائز على جائزة نوبل أكد أن مساحة الاهتمام في هذه المسألة ضعيفة، ومن شأن تعيين البرادعي رئيساً للوزراء أن يساعد مرسي في الحفاظ على الشوارع هادئة ويسمح لمصر بوضع خطة اقتصادية لإقناع صندوق النقد الدولي لإقراض البلاد المال اللازم للاستقرار.

هناك أيضاً حديث عن توترات بين صفوف الاستخبارات العسكرية وموظفي وزارة الداخلية، حيث إن بعضهم يخشون ثورة مصغرة قد تودي بهم في السجن بتهمة ارتكاب جرائم ضد المدنيين المصريين خلال الثورة ضد مبارك.

هناك شائعات مستمرة حول البلطجية الذين استخدموا لضرب المتظاهرين العام الماضي بأنهم استخدموا مرة أخرى لمنع المسيحيين من التصويت في بعض القرى المصرية.

ومن المثير للاهتمام عندما هرع سلطان فاروق من خلال المخالفات الانتخابية قبل إصدار نتائج الانتخابات بثمانية أيام ليعلن أنه ليس على دراية بمَنْ منع الناخبين من الوصول إلى مراكز الاقتراع.

في نهاية الأمر هي عبارة عن قصة. ليست من النوع الذي يمكن تأكيده – إلا أن مصر ليست ذاك البلد الذي يفسح المجال للوقوف أمام حقائق صعبة خصوصاً عندما تكون الصحافة المصرية حرة بعد سنين حكم مبارك.

حقيقة واحدة لا يمكن إنكارها أن الثعلب عندما أراد أن يظهر أنه حيوان ثوري، فعل ذلك رغم جرح رصاصة غائر في ظهره.  

السابق
إصابة اثنين في غارات إسرائيلية على غزة
التالي
الحل السوري لم يعد ممكناً!