تأتي زيارة السفير السعودي علي عواض عسيري للرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط على قاعدة اهتمام الرياض الدائم بالحرص على الاستقرار والهدوء في لبنان، وهو اهتمام يأخذ شكل سياسة ثابتة منذ زيارة خادم الحرمين الشريفين الى بيروت في 25 حزيران من عام 1997 اذ كان ولياً للعهد، وقد وصل يومذاك من دمشق مذكراً بـ"قيم الاسلام أمة الوسط في عصر القلق" وداعياً الجميع الى روابط الأخوة ووحدة المصير!
وإذا كان بري يرغب في أن تشجع المملكة على قيام حوار حول أزمة طرابلس، وقد كاشف السفير عسيري بالأمر، فإن الحاجة الملحة في لبنان هي أن يقوم حوار جاد حول نزع السلاح أو رفع هيمنته على الحياة السياسية ليس في عاصمة الشمال وحدها بل في كل لبنان المحاط بالأخطار والحرائق. ومن الطبيعي أن تشجع السعودية على الحل وهي التي طالما نظرت الى لبنان على أنه "مقلة العين وواسطة العقد العربي"، كما قال الملك عبدالله عشية نزوله مع الرئيس بشار الأسد في بيروت آملاً بحل نهائي للأزمة اللبنانية!
ورغم انشغال المملكة هذه الأيام بذكرى البيعة لخادم الحرمين الشريفين، يستطيع المراقب أن يجزم بأن الملك عبدالله، الذي سبق له أن واكب شخصياً تطورات الوضع اللبناني على مدار الساعة، حيث كان يعطي توجيهاته الى الوزير الدكتور عبدالعزيز خوجة الذي كان سفيراً في بيروت، لن يألو جهداً الآن في دعم كل ما من شأنه أن يعزز الهدوء ويعيد الاستقرار الى البلاد من الناقورة الى النهر الكبير، هذا رغم أن البعض يلمس تراجعاً في حرارة الاهتمام السعودي بلبنان وهو ما أخلى الساحة للإيرانيين وحلفائهم السوريين!
وإذا كان الاحتفال السعودي بذكرى البيعة قد شكل مناسبة للحديث عن الانجازات التي حققها الملك عبدالله، داخلياً من خلال برامج التنمية والتطوير العملاقة، وعربياً ابتداءً من مبادرة السلام العربية في قمة بيروت، الى حل الأزمة اليمنية ومحاولة انتشال البحرين من الفوضى، مروراً بقمة المصالحات العربية في الكويت، فإن أحداً لن ينسى صورته ممسكاً بيد الرئيس محمود أحمدي نجاد يسيران معاً في الرياض في لفتة متعمدة هدفها قطع الطريق على كل خطط إثارة الفتنة بين السنّة والشيعة.
وعندما يقول رئيس الاستخبارات العامة الأمير مقرن أن عبدالله "جعل من السنوات السبع رقماً صعباً في الانجازات" فليس لأنه قَلَب المملكة رأساً على عقب بالمشاريع الإنمائية والتربوية والتطويرية، بل لأنه ضاعف القدرات الدفاعية لمواجهة الأخطار المتزايدة. وبالعودة الى موضوع الحوار لحل أزمة طرابلس، فإن الحكمة والموضوعية تقضيان ضرورة نزع السلاح ورفع هيمنته على الحياة السياسية في كل لبنان، ومن المؤكد أن الرياض التي تكرر أنها تقف على مسافة من الجميع، ستكون الى جانب ما يخدم الاستقرار في "مقلة العين"!

