ما لا يعرفه الناس عن وردة؟

الوردة هناك، مغمضة العينين تحت التراب. فارقت الحياة بهدوء في ليلة ربيعية بدت حزينة. ما بها الأيام تستعجل موت من يستحقون الخلود؟ ذهبت على غفلة تلك السيدة. لملمت جسداً عمره 73 عاماً، جمعته في يد واحدة ونامت. بشهادة بعض محاوريها على الشاشة (من الأحدث الى الأقدم)، وردة الجزائرية ستظل تفيض عطراً على بساتين الأرض، في كل الفصول.

الاعلامية رانيا برغوت كانت آخر من استضافتها في لقاء طويل من جزءين عبر MBC، لم تشترط فيه وردة حجب أي موضوع أو سؤال. صعقها خبر رحيلها وهي التي هدست بها منذ أيام، فأرادت الاطمئنان الى صحتها لكن الوقت غافلها. تصفها بالمتصالحة مع نفسها، الصريحة التي تقول ما تشعر به من دون مجاملة أو تصنّع. بعد اللقاء كان الموعد على العشاء في منزل وردة في مصر. تخبرنا رانيا عن اصرارها على "توجيب" ضيوفها. أعدّت "الكُسكس" بنفسها. "كان لذيذاً". في السهرة تحب وردة سرد النكات، ونشر الروح الايجابية، "وهذا ما يجعل المرء يتأثر بها، ويتعلم منها معنى التواضع حين لا يتناقض مع العظمة".
التقى شادي خليفة، مقدم النشرة الفنية عبر "الجديد"، وردة في الطبقة الثالثة من فندق "فينيسيا" في أيلول الفائت. ذهلته بتواضعها، "وهو تواضع الكبار". تكلما في السياسة والفن والحياة، فامتدّ وقت المقابلة الى نصف ساعة بدل الوقت المقرر لها، ربع ساعة. يخبرنا عن كرمها، وكيف انها حرصت بنفسها على ان تقدم اليه العصير رغم احاطتها بالمساعدين، الأمر الذي جعله يشعر بالرهبة والخجل في آن واحد. ينقل الينا شادي حبها للبنان، وكيف تتنفس الصعداء حين تغني لشعبه. يقول انها رائعة، محاورتها سهلة لكنها مختلفة عن محاورة غيرها. قلبها مفتوح للجميع، "لكنها تفضل عدم التكلم في تفاصيل حياتها الشخصية كالزواج والمرض، لأنها تريد إفراح الناس لا مضايقتهم بوجع الحياة".
استضافتها الاعلامية جمانة بوعيد عام 2009 للاحتفاء بانضمامها الى "روتانا". بدت وردة نضرة. عاشقة للحياة. لمست فيها صراحة زادتها وقاراً وحضوراً. قالت عنها انها تسمي الأمور بأسمائها، وتعطي الآخرين حقوقهم، "وهي التي رأت ان جورج وسوف يغني أغنياتها أجمل منها". لمست فيها غزارة أفكارها وحرصها على الاجابات المكتملة. هي مطربة "مشبّعة" نجاحاً في رأيها، تجمع الجرأة والخجل في شخص واحد. تذكُرها بابتسامة ودمعة تحتفظ بها عيناها. لم تتوقع موتها بهذه السرعة. أرادتها ان تعيش سنينا أكثر بعد، "فمن مثلها نادر بصدقه وعطائه الراقي وصراحته وإنسانيته وذاكرته التي لا تنسى حتى من صادفتهم من طريق الخطأ".
أثناء تقديمه إحدى حلقات "تاراتاتا" عبر "تلفزيون دبي"، لم يتوقع طوني بارود ان يدخل ليرى وردة في انتظاره بدلاً من ان ينتظر هو دخولها. كانت واقفة. واثقة بنفسها ومتواضعة. ذكّرته بعظمة "الشحرورة" صباح. يصفها لنا تبتسم. هادئة، لم تبدُ عليها عوامل الزمن. منذ صغره وهو ينتظر جديدها. يفاخر بأنه يردد أغنياتها. لم يصدق انها قررت الرحيل. عاد بالذاكرة الى لقائهما، الى "تلك الوقفة الشامخة التي شعرتُ بوزنها يقع عليّ". يخبرنا عن عفويتها. آنذاك كانت تشعر بالحرّ الشديد. استعجلت بدء الحلقة، فاسترسلت بالطرب الجميل ونسيت لهيب الطقس. أكثر ما يذكره منها، الى هيبتها، اعرابها له عن حبها لأعماله، "فكانت خير متواضعة في زمن يكبر فيه النجم فلا يعود يرى من هم دونه".

السابق
الحوار لطرابلس..وكل لبنان
التالي
وسوف: الله يرحم وردة