الكتف الجنوبي للكيان اللبناني ابْتُلِيَ ووُفِّق في آن معا بالصراع مع اسرائيل فحصد ملحقاته الداخلية والخارجية، وطرابلس الكتف الشمالي مبتليةٌ بالصراع المذهبي الداخلي والمحيط ولكن هل هي موفَّقةٌ به؟
محظوظ وملعون… نجيب الميقاتي كرئيس حكومة، في آن ٍ معا. بل عكس الظواهر والمتفجرات والسلفيات والعنعنات المذهبية والطائفية هو محظوظ أكثر.
فقد جيء به رئيس حكومة – وهو أصلاً حضّر نفسه لهذا الدور أي ساهم في "تصنيعهم" لنفسه- للإنتهاء من حالة "مائعة" كانت تمثّلها وضعية سعد الحريري في لحظة دولية وإقليمية سيتضح سريعاً انها كانت في طور "التحويل" السعودي الى وضعية هجومية ضد النظام في سوريا.
لهذا ومن البداية ورغم المهمة الحساسة أُعطِيَ الميقاتي أفضلية طرابلسية. فحكومته – لولا "زَنْ" ميشال عون – لما طالبها أحدٌ من حلفائه بشيء جدي خارج … طرابلس، حتى لو شاءت "الأقدار" ان تُفلِت بعض القطاعات المطلبية وخصوصا "أساتذة الجيل" من الكوادر الذهبية للنظام السياسي التربوي في الجامعة اللبنانية بمكاسب بات يحسدهم عليها أساتذة جامعة هارفرد.
دعكَ من خماسية الوزراء الطرابلسيين التي لا سابقة لها خصوصاً حين تأتي في الشكل في سياق "التكارم" المذهبي لقوى في الواقع عند "إخواننا المتاولة" لم تعد تشعر بأي منافسة "ذاتية" في الجبل والسهل العاملي و"البقاعْ شمالي"… إنها حكومة طرابلس فقط في "لحظة" طويلة وخطيرة ومخيفة من انتقال السنية السياسية بقيادة الحزب الحريري من شعار "لبنان أولا" الى ممارسة "سوريا أولا". وهو امر لا يحتمل التسويف، ليس فقط بسبب الهجومية السعودية الإستثنائية التي ربما لم يُعرف نظيرُها منذ عهد المؤسس الراحل عبدالعزيز بل منذ الأيام التأسيسية للمؤسس. بل أيضا ولو بالدرجة الثانية لأن عمليةَ انتقالٍ في الاقتصاد القتالي فرضَتْها أحجام المواجهة باتجاه تركيز الاعتماد خارج المونوبول الحريري اللبناني.
إنها "حكومة طرابلس" في منطقة المشرق التي تَبين في السياق أنها لم تكشف فقط عن ضراوة الصراع على سوريا بين المحورين الإيراني والسعودي بعد "اختمار" الإنتقال العراقي للسلطة في بغداد من العصب السني الى العصب الشيعي (آخِ من فَقر اللغة هنا)، إنما أيضا ولربما لو كنا نكتب من لندن او باريس لاعتبرناه أصبح الأهم، بعدما انفتح الصراع الدولي بشكلٍ سافر بين المحور الأميركي الأوروبي وبين ما سيصبح فعلا المحور الروسي الصيني… فإذا بهذه "السوريا" – ولم يكن ذلك على البال والخاطر قبل عام ونيّف- تُصبح خط الدفاع الخارجي الأول عن الخارطتين الداخليتين الروسية والصينية المهدَّدتين بالإنفصال الإتني لمُسْلميهما . فهل انتبه أحدٌ الى مؤتمر "الإيغور" الأتراك الصينيين المطالبين بإنفصال منطقتهم سنكيانغ عن الصين –مثل التيبت- والذي عقد قبل أيام في اليابان، و"المَخرج" كان على ما يبدو عقد المؤتمر تحت رعاية الحزب الياباني المعارض لا الحاكم لتخفيف الحرج؟
إنها حكومة طرابلس فقط… طرابلس "جبل النار" المذهبي السني العلوي والعاصمة الجنوبية للحرب الأهلية في سوريا… مقابل مدينة اللاذقية التي كانت مرشحة لتكون العاصمة الشمالية وإذا بالأحداث هذا العام تأخذنا نحو الشرق لتتحوّل حمص هي العاصمة الضحية بين فكّي وفَتْكي النظام المدجج والمعارضة المعسكَرة.
إنها حكومة طرابلس فقط… ولِمَ لا… فالفيحاء تستحق بجغرافيتها وتاريخيتها الجذّابتين وتركيبتها الديموغرافية ككتفٍ شماليٍّ مع أريافها الضناوية والعكارية أن تكون المقابل المذهبي للكتف الآخر في الجنوب …الكتف الجنوبي ابْتُلِيَ ووُفِّق في آن معا بالصراع مع اسرائيل فحصد ملحقاته، وطرابلس هي مبتلية بالصراع المذهبي الداخلي والمحيط ولكن هل هي"موفّقة" به؟ لا نعرف بعد لأننا في بداية مرحلة في لبنان وسوريا والمنطقة… وربما في العالم.
رئيس هذه الحكومة محظوظ لأنها قد تكون حكومة مديدة بسبب اتفاق الاميركيين والسوريين والسعوديين والايرانيين على جعلها تدير الأزمة السورية في لبنان كجزء فعلي ومُغْرٍ من الأزمة السورية وانما قَصْرُ وقَسْرُ وكَسْرُ هذه التبعية الصراعية على طرابلس والشمال (مع بعض الملحقات البقاعية "الهامشية" للاستخدام الكيدي أو الوظيفي ضمن مستلزمات منطقة حمص). بهذا المعنى فإن محظوظية الميقاتي تمثِّل مصلحة للإستقرار اللبناني ولو على بركان. ولو كان سعد الحريري او فؤاد السنيورة رئيساً للحكومة وفي نفس الظروف لكان يجب أن يفعل بسياسة النأي عن النفس الرسمية الأمر نفسه الذي يفعله الأخ الميقاتي، تاركاً للقوى "غير الرسمية" المعتادة على انتهاز الخدمات "المفيدة" لحساب قوى المنطقة أن تلعب لعبتها التقليدية على الجهتين. وهذه – لعمري – مركنتيليةٌ مُشْبَعةٌ وراسخة في ثقافة المجتمع اللبناني مع الأمل أن يكون توزيع الثروة في اقتصاد العمالة الجديد أكثر عدالةً من أن يقتصر على وكلاء من فوق… فيستفيد الفقراء على الأقل قبل أن يخسر بعضهم حياته. ولن يخسر غيرُهم حياته على جبهات التماس إلا إذا "بدأت" الاغتيالات السياسية التي تذهب عادةً بضحايا من الطبقات الميسورة. وهذه عادةً أمورٌ أكثر جدية من أن تُقرَّر في لبنان حتى لو طالت لبنانيين.
ولكن رئيس هذه الحكومة ملعون لأنه وهو يعيش طويلا ورصيناً مع حكومته عليه أن يقضي وقته السياسي على خطوط التماس الطرابلسية والعكارية. إنه الحظ في السياسة، واللعنة على حافة الخطر.
الآن للإنصاف تمنحنا القوى الإقليمية استقراراً ذهبياً لو نعرف الإستفادة القصوى منه. ولولا أن طرابلس وأريافها العكارية هي المسرح الخلفي للتوتر بين الوقت والآخر لكانت – يا للهول- جَنّتُنا "كاملةَ" الاستقرار داخل الجحيم السوري. ولولا هذا الثمن التكتيكي لكان جزء مهم من الثروات والطلاب والتجارة الهاربة من سوريا قد استقر كلياً في طرابلس وليس في بيروت (الكبرى) وحدها.
حمى الله طرابلس ولبنان وسوريا والعراق ومصر والسعودية (ومن ضمنها البحرين) وايران (ومن ضمنها جبل عامل) وليبيا… فالصلاة والقتال خيرٌ من النوم.

