أخذت معالم التسوية السوريّة المتوقّعة في ظلّ المواقف الدوليّة المتقاطعة مصالحها مع بعضها البعض، بالانعكاس على الساحة الداخلية اللبنانية.
بدأ ذلك يترجم فعليّاً عبر بعض المواقف السياسية من كبار حلفاء دمشق، الذين يقرأون مسار الأوضاع السورية والإقليمية ليبنوا على الشيء مقتضاه على الداخل اللبناني، ومع تأكيد وإصرار هؤلاء الحلفاء للنظام السوري، على انتهاء الأزمة، وبمعنى آخر استمرار هذا النظام، على حدّ معلوماتهم، فإنّ ذلك سيرخي بظلاله على ملفّات داخلية لها وزنها، وفي طليعتها قانون الانتخاب الذي يبقى الشغل الشاغل لمعظم القوى السياسية والحزبية. والمعروف هنا أنّ رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط يُعتبر من أكثر الزعامات والقيادات السياسية حساسيّة في هذا الإطار، وحيث سبق وفُصّل له قانون انتخابيّ راعى حضوره ودوره وخصوصيته السياسية والطائفية، وتحديداً إبّان حكم الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد.
ومن هنا، وفي ظلّ ترقّب مسار الأزمة السورية وكثرة السيناريوهات المطروحة حول الانتخابات النيابية بين حصولها في موعدها الدستوري، أو عدمه، ربطاً بالأجواء في المنطقة، ولا سيّما التطوّرات السورية، إلى عدم حسم أيّ قانون سيُعتمد أمام كثرة القوانين والطروحات الموضوعة على أكثر من طاولة، لذا تقول أوساط سياسية، على بيّنة ممّا يجري، بأنّه من الضرورة بمكان قراءة موقف رئيس المجلس النيابي نبيه برّي بشأن قانون الانتخاب واعتباره أنّ قانون ألـ 60 لم يعد صالحاً، إضافة إلى ضرورة اعتماد النسبية، ومن ثمّ اتّصاله بوزير الداخلية مروان شربل للإسراع بتحريك هذا القانون، فهذا الموقف للرئيس برّي لم يأتِ صدفة، وإنّما له دلالاته في هذه المرحلة بالذات، إذ يرى أحد المطّلعين على الأجواء السورية والجنبلاطية بأنّ دمشق، والتي تعتبر أنّها خرجت من أزمتها منتصرة وباستمرار هذا النظام، كما تعتبر الأوساط والمحيطون بهذا النظام، فإنّها بصدد الانتقام السياسي من زعيم المختارة ومحاسبته على مواقفه، وتحديداً تحريضه دروز سوريا على النظام، وتعرّضه للرئيس الراحل حافظ الأسد، ولذا هي تدرك بأنّ قانون الانتخاب أفضل وسيلة لهذا الاقتصاص أو الانتقام السياسي.
ومن هذا المنطلق، جاء كلام الرئيس برّي في توقيت يثير التساؤلات باعتباره حليف أساسي لدمشق، ورئيس للسلطة التشريعية، أي أنّه المعنيّ والمخوّل بتحريك قانون الانتخاب، وعليه جاءت حبكته باعتماد النسبية ونعي قانون ألـ 60، مع الإشارة في هذا السياق إلى الصداقة الحميمة التي تجمعه بالنائب جنبلاط، الذي فهم الرسالة "على الطاير" وتلقّفها من صديقه لأنّه وإيّاه يعلمان كيفية توزيع الرسائل وخصوصاً من قبل النظام السوري. وهنا ثمّة معلومات بالغة الدقّة عن هجوم جنبلاطيّ معاكس لرفض النسبية، والإصرار على قانون الـ 60، وهذا ما ستبرز معالمه في الأيّام القليلة المقبلة على لسان زعيم الإشتراكي وفريقه السياسي إضافة إلى المقرّبين منه.
لكنّ السؤال المطروح في هذه المرحلة، من سيقف معه، وتحديداً من قوى الرابع عشر من آذار التي لا زالت تتلقّى سهام النائب جنبلاط ووصفه بعض قادتها بـ"المنظّرين"، إضافة إلى أنّ هذا الفريق قد يقبل بالنسبية معدّلة، وغير محشور بقانون الـ 60 على غرار جنبلاط، وهذا ما يظهر بوضوح عند "الكتائب" وكذلك "القوات اللبنانية"، ما يعني، بحسب هذه المعلومات، أنّ معركة النظام السوري وحلفائه في لبنان قد بدأت لتحجيم "أبو تيمور"، وخصوصاً في الانتخابات النيابية المقبلة، ولكن هل أضحت الظروف مؤاتية محلّياً وإقليميّاً ودوليّاً؟ فذلك مرتبط بما سترسو عليه الأزمة السوريّة، مع التذكير بإشارة سياسية بالغة الأهمّية، أو رسالة "مشفّرة" وصلت جنبلاط عبر اجتماع سفراء روسيا والصين وجنوب إفريقيا وسوريا وغيرهم في دارة رئيس حزب "التوحيد العربي" الوزير السابق وئام وهّاب، وهؤلاء السفراء كانت دولهم التي يمثّلونها حليفة المختارة تاريخيّاً، ولا سيّما روسيا، ممّا يشير إلى أنّ الرسائل تصل بريد المختارة تباعاً من قانون الإنتخاب إلى غيره، وإنّما ثمّة من يتوقّع أن يقوم الزعيم الدرزي بهجوم معاكس، من خلال شدّ العصب الدرزي والتجييش تحت ذريعة أنّ قانون النسبية هو لإلغائه سياسيّاً، وأنّ النظام السوري بدأ بالانتقام، وقد سبق له أن حرّك الساحة الدرزية وشدّ عصبها في مراحل مشابهة.
وأيضاً هناك تساؤلات أخرى حول إمكانيّة لعب هذه الورقة على غرار المراحل السابقة، مع التذكير بعامل آخر يتمثّل بتوجيه جنبلاط انتقادات أو عتب إلى السيّد حسن نصرالله على موقفه الداعم للنظام السوري في خطابه الأخير من دون أن يسمّيه، ما يعني أنّ الحروب الجنبلاطية في المرحلة المقبلة كثيرة وكبيرة على غير محور وصعيد، إنّما يبقى قانون الانتخاب العنوان الأبرز للمعركة الجنبلاطية القادمة.

