لبنان: السلبيات بدل الايجابيات

الضجيج لملء الفراغ السياسي هو في النهاية تمارين في العبث. وليس غريباً ان يصبح الربيع العربي مادة للسجال العنيف في لبنان، وسط الهموم المرتبطة بالأمن الغذائي والأمن والسياسة والاقتصاد والمال. لا فقط لأن قوى ٨ آذار تخالف قوى ١٤ آذار في تركيز وثائقها وخطابها على اعتبار ثورة الأرز باكورة الربيع العربي بل أيضا لأن الأحداث وصلت الى سوريا. الغريب هو تجاهل الواقع اللبناني المأزوم المحروس بالقوى الطائفية المذهبية والقوى الاقليمية والدولية والذي يحول دون ان تصل اليه ثورات الربيع العربي بالمفهوم الايجابي. وحده ربيع الطبيعة الذي لا يد لأحد فيه هو الذي وصل الينا اليوم ومعه عيد الأمهات.
ذلك ان التغيير الذي رفع شعاره شباب الثورات الشعبية في الربيع العربي وقاد الى اسقاط أنظمة استبدادية ليس مرشحا لإحداث أي أثر في النظام الطائفي القوي والمفلس معاً في لبنان. حتى الاصلاحات السياسية والاقتصادية التي تحاول الأنظمة العربية التسليم بها لتجنّب السقوط، فانها حلم في الوطن الصغير. صحيح اننا نظرياً في نظام ديمقراطي برلماني تكرّس بالدستور منذ عام ١٩٢٦.

لكن الصحيح أيضا ان الديمقراطية المبنية على كتل طائفية ومذهبية، لا على مواطنين، هي مجرد حريات من دون آليات ديمقراطية أقلها المراقبة والمحاسبة. فلا الجمع بين أحاديات طائفية ومذهبية يصنع تعددية سياسية حقيقية. ولا الرهانات على ما يحدث في المنطقة تقود أوتوماتيكيا الى إخراج لبنان من أزمة النظام البنيوية والأزمات السياسية على سطحها.
والواقع ان ما وصل الينا من ثورات الربيع العربي وما نحن مؤهلون له أصلاً هو السلبيات التي بدأت تظهر بعد نجاح الثورات. فالتيارات الدينية التي صعدت الى السلطة في تونس ومصر وسواهما تطرح على ثورات القرن الحادي والعشرين أفكار القرن العاشر. وهي تثير من الهواجس لدى طوائف في لبنان بمقدار ما تحمل من الآمال لدى طوائف أخرى. والصراعات الطائفية والمذهبية التي تتصاعد موجاتها هي المرشحة لأن يكون لها فعل في لبنان الذي كان في الخطاب العربي السبّاق الى ذلك، قبل ان يكتشف ان البلدان العربية هي لبنان مستتر كان ينتظر الفرصة لكشف الواقع.
وليس ذلك بالطبع من الثوابت المستعصية على المتغيرات. فالثورات العربية هي في مرحلة انتقالية قد تدوم سنوات لكي يمكن تصحيح المسار في اتجاه الدول المدنية الديمقراطية. وحين يحدث ذلك، وهو ما رافق معظم الثورات في العالم، فان الربيع العربي بمفهومه الايجابي يصل الى لبنان. لكن المهم ان نعمل لتحسين الوضع اللبناني في مرحلة الانتظار. وآخر ما يفيدنا هو السجالات والرهانات على ما ليس في يدنا.

السابق
محاكاة حرب: لعبة سرية ترعب اميركا خوفا من ضربة اسرائيل لايران
التالي
الهدف الروسي الحقيقي