ضبطت القوى الأمنية ومصلحة حماية المستهلك بأقل من عشرة أيام 186 طناً من المواد والمنتجات الغذائية الفاسدة في أرجاء الوطن. كما أن ثلاثة من كبار تجار اللحوم تم إصدار مذكرات توقيف بحقهم وأودعوا القضاء المختص، وخُتمت بالشمع الأحمر عشرات من المستودعات والبرّادات والملاحم. كما أن المداهمات ما زالت مستمرة لتطال عشرات الموقوفين، ولترتفع الأرقام إلى 150 مطعماً وفندقاً وسوبر ماركت، وهم تحت الشبهات لتبضعهم من هؤلاء التجار الذين لم يتّبعوا شروط سلامة الغذاء من التصنيع والتخزين والحرص على حفظها بطرق تقي من الإصابة بالأمراض المميتة.
كثرت المطاعم والمطابخ التي تقدّم تشكيلة من المأكولات للمواطنين والسيّاح، وكثرت معها حالات التسمم والأمراض المصاحبة لها وذلك لعدم جودة ونظافة المأكولات التي تقدمها هذه المرافق للسواد الأعظم من الناس. فبعد الحوادث الأخيرة من ضبط المواد الغذائية الفاسدة من لحوم مواش نافقة أو منتهية الصلاحية على أساس أنها لحوم طازجة، ومع استغلال غفلة الجهات الرقابية, تبين أن المطاعم والفنادق والاستراحات والكافتريات التي تقدّم الوجبات السريعة أو المطبوخة لآلاف من المستهلكين وطالبي الخدمة من أنواع الغذاء المختلفة، معظمها لها واجهات مجمّلة بالديكور والفخامة، ولكن مطابخها الخلفية يشوبها الكثير من الأوساخ والحشرات، مع وجود أدوات طبخ صدئة ومتعفنة، ومواد غذائية فاسدة وغير صالحة للاستهلاك الآدمي، وطبعاً مع استعمال أسوأ أنواع الزيوت المنتهية الصلاحية. ومع كل ما سبق يقوم بإعداد هذه الوجبات عمالة لا تستوفي الشروط الصحية, وإن وجدت لها شهادات صحية، فمعظمها مزوّر، ويحمل جميع الأختام المقلدة التي تدل على الفوضى التي تعم هذا القطاع، وهي بذلك لا تخضع لأي رقابة مشددة، ومعظم العمالة مخالف لأنظمة الإقامة.
الرقابة عموماً شبه مفقودة ، ودور مصلحة حماية المستهلك قاصر، لأن أعداد المراقبين لا يتناسب مع الأعداد الكبيرة لهذه المطاعم والمطابخ المنتشرة بشكل كبير داخل المدن وخارجها، وإن حدثت زيارات رقابية تكون عرضية، واحدة أو اثنتان في العام، فهي لا تكفي لأن طوال الأيام الباقية من السنة تكون مهملة بلا رقيب أو حسيب. لذلك يجب عدم التهاون مع العبث بقوت الناس وسلامة أبدانهم، وأن تكون هناك أحكام رادعة بالسجن والغرامة لكل من يخالف الشروط الصحية البسيطة.
وعلى الرغم من كل ما سبق نجد أن المشكلة ما زالت كبيرة، بل تتوسع على نحو أكبر، وهذا يشير إلى أن المراقبة الحالية لا تأتي بالفائدة المرجوة منها على الوجه المطلوب، إذ أن هناك فارقاً كبيراً بين الواقع والأمنيات، وإلا كيف نفسر كل هذه المخالفات رغم المتابعة التي يتحدثون عنها رسمياً. كما أنه لا توجد إحصائيات واضحة ومحددة من وزارة الصحة بحالات التسمم الغذائي التي غالباً ما يتم علاجها خارج المؤسسة الصحية الرسمية وفي العيادات الخاصة أو المستوصفات الأهلية أو من قبل المواطن ذاته. ألا يستحق لبنان أن تكون لديه هيئة وطنية لسلامة الغذاء مثل كل الدول المتحضرة؟ من المسؤول عن هذا التخلف وعن غياب هذه القوانين؟ هل سنظل نعاني من تدني كفاءة الكوادر والمفتشين على الرقابة الغذائية؟ هل تعمل مختبرات فحص الغذاء بمعايير دولية أم بالتساهل والمحسوبيات؟ متى ينتهي تعدد الجهات الرقابية وتعتمد التشريعات الغذائية الحازمة؟.
لا يُخفى على الجميع أهمية سلامة الغذاء على صحة الإنسان لذلك هناك قوانين حازمة في هذا المجال في الدول المتقدمة. فأغلب دول العالم المتقدم أنشأت مؤسسة واحدة تُعنى بالغذاء، وبعض الدول طورتها إلى أبعد من ذلك حيث أنشأت مؤسسة تُعنى بالغذاء والدواء على غرار FDA وهي إدارة الغذاء والدواء الأميركية وتكون مستقلة غير مرتبطة بأية وزارة لضمان حياديتها وإلغاء أية تأثيرات جانبية محتملة على عملها. وبعض البلدان لديها مؤسسات خاصة بسلامة الغذاء، في السويد مثلاً NFA وهي سلطة الغذاء الوطنية وهناك أيضاً مؤسسات خاصة في هذا الموضوع في استراليا ونيوزيلندا وكندا. لذلك نقترح إيجاد مؤسسة واحدة تُعنى بسلامة الغذاء للخروج من كل هذه الإشكاليات وخاصة في تعدد مصادر القرار والنتائج المترتبة على ذلك ونقترح تشكيل مؤسسة خاصة بالغذاء ولكن بدون إدارة الدواء، وليبقى الدواء من اختصاص وزارة الصحة. وتكون هذه المؤسسة مستقلة ولا تتبع أية وزارة لضمان استقلاليتها أسوة بالهيئات المستقلة مثل الأوقاف وغيرها. ويجب تكليف نخبة من القانونيين والمشرّعين والمعنيين بالغذاء لوضع مسودة قانون المؤسسة والاستفادة من قوانين الدول المتقدمة.
وفي حال لم تنفّذ هذه الاجراءات الوقائية, نقول مسكين المواطن اللبناني, فقد فاض به الكيل وأرهقته الحيرة بماذا يأكل؟ لدرجة أصبح جلوس الأسرة إلى مائدة الطعام مخاطرة بالصحة والحياة! فالحليب قاتل والدجاج كله هرمونات واللحوم كارثة والأسماك بالصرف الصحي والقمح مسرطن والخضراوات والفاكهة ملوثة بالمبيدات!. والكارثة أن المسؤولين يعلمون ذلك ونحن بانتظار بطل يقلب الطاولة على هؤلاء الفاسدين ليسعف المواطن وينصفه من طاغوت وبطش التجار!
فالغذاء الفاسد هو أقوى سلاح لتدمير البشر، ولذلك يجب أن يعلم الجميع أن سلامة الغذاء هي أمن قومي وخط أحمر لا يجب أن يقترب منه أحد وإلا فليكون مصيره الشنق! وإلا كيف نحافظ على أنفسنا وعلى أطفالنا من الإصابة بالأمراض الخطيرة كالسرطان والفشل الكلوي والكبدي والفيروسات القاتلة والأمراض المزمنة التي أصابت المواطنين بالأزمات الصحية المفاجئة وبالأمراض التي ما أنزل الله بها من سلطان!.
يجب إنزال عقوبة الشنق بهؤلاء المستفيدين من صفقات الغذاء الفاسد، وهم أصحاب الصفقات البالية ورجال الأعمال اللصوص، الذين يعيشون ويكوّنون ثروات طائلة من أشلاء وجثث المواطنين ويسهرون ويمرحون ويضحكون وهم يشربون كؤوس دماء الضحايا والموتى. ألا يستحق هؤلاء الإعدام شنقا! أليس تجار أغذية الموت مثل تجار المخدرات, بلى وهم أسوأ! أليس من الأولى تطبيق عقوبة الإعدام عليهم لأن صحة المواطنين ليست مرتعاً للعبث والمتاجرة! وإلا وبكل تأكيد تكون الطبقة السياسية الحاكمة متواطئة مع تجار أغذية الموت، ومافيات الصفقات المشبوهة ومصالحهم مشتركة على حساب المواطنين الأبرياء.
دعونا نطرح أسئلة تثير العجب: هل لدينا بيانات رسمية معتمدة عن سلامة الغذاء في لبنان؟ هل لدينا معلومات دقيقة عن نسبة تلوث الغذاء بالمبيدات، أو الهرمونات، أو المعادن الموبوءة، أو.. أو.. إلخ؟! وهل تعلم الجهات المختصة ما هو العدد الفعلي للمواد الفاسدة التي وزّعت في السوق، وعلى الملاحم والمطاعم الفنادق؟ لماذا لم تعمد الأجهزة المعنية إلى التدقيق في البضائع علماً بأنه تم تسطير محاضر ضبط بحق التجار أكثر من ثلاث مرّات ولكن من دون إجراءات تجريمية؟.
الحقيقة هي أننا نعيش فوضى سوق الغذاء العشوائي الذي تشرف عليه وزارات وجهات رقابية تتعارض اختصاصاتها وتتهرب كل منها من المسؤولية وتلقي بها على الجهة الأخرى، وبالطبع ليس بينها تنسيق ولا تعاون، ولا اختصاصات محددة، وإنما تضارب وتنازع فيما بينها ليبقى المواطن هو الضحية. وأوضح مثال صارخ للفوضى هو ما تم اكتشافه من 186 طناً من المواد الغذائية الفاسدة والتي توزعت على 171 طناً من اللحوم، وعشرة أطنان من الأسماك والأجبان، بالإضافة إلى كميات من الدجاج النافق..
المحزن المبكي, أنه لا توجد رقابة بالمعنى المفهوم لسلسلة تصنيع الغذاء بسبب وجود حلقات مفقودة. فمثلاً الكثيرون لا يعلمون أن مسؤولية دخول اللحوم الحية المستوردة تتحملها وزارة الزراعة، أما جميع الأغذية المصنعة فهي من مسؤولية وزارة الصحة، وباقي السلع الاستهلاكية هي من مسؤولية وزارة التجارة والصناعة. السؤال الذي يطرح نفسه ألا تستحق صحة وحياة المواطن التنسيق الذي يفرض توحيد عمل هذه الوزارات والأجهزة في منظومة حضارية تحترم حياة البشر؟ والمصيبة أنه رغم كل هذه المتاريس من الجهات الرقابية والوزارات والتشريعات إلا أن انتشار الأغذية الفاسدة هي في تصاعد مستمر، وكأن هناك مخططا لتدمير صحة المواطن اللبناني. فالرقابة غائبة عن الأغذية المستوردة في الموانئ والمطارات والبضائع الفاسدة تدخل عنوة بالرشاوى, كما انه معلوم أن مستوردي المواد الغذائية الفاسدة لهم معاملة خاصة في هذه المرافق. أما الأغذية المحلية الفاسدة فهي تتفشى كالوباء في أنحاء الوطن ولا من رقيب ولا من حسيب. وعندما تقع الواقعة, تُدفع الإكراميات والرشاوى ليصول ويجول تجار أغذية الموت بلا حساب أو عقاب رادع, بعد ان يكونوا قد حققوا الأرباح الطائلة من الأموال الحرام وطبعا لتذهب صحة المواطن إلى الجحيم!. والمثير للدهشة والحسرة في آن واحد أن بعض هذه المطاعم والمصانع ترفع شعار الجودة أولا وقد حازت على شهادة المواصفات والمعايير العالمية!.
وبهذا كله أصبحنا نعاني في هذا الوطن الصغير الذي يعتمد اقتصاده على السياحة من سوء سمعة الغذاء لتكتمل فصول الجريمة المنظمة لتطال السياحة وتتسبب كذلك بإصابة السياح بالتسمم الغذائي. إلى متى سوف تبقى الإجراءات ردة فعل بدلاً من أن تكون منظومة وقائية وقضائية تعرض أصاحب تلك الأفعال الاجرامية الى اشد العقوبات؟ فهل سنظل أسرى تجار أغذية الموت؟ أم أن القضاء سوف يتحرك وتنتفض الطبقة السياسية على نفسها لتنقذ ما يمكن إنقاذه بأقصى سرعة من أجل سلامة البلاد والعباد؟.

