حزب الله يسلك نفقاً انتحاريّاً

يتصرّف اللبنانيّون حيال الأزمة السوريّة وكأنّهم مشجّعون لفريقين يتباريان في مباراة لكرة القدم، وتأخذ الحماسة بكُلّ منهم إذا ما سجّل الفريق الذي يناصره ركلة أو أطلق الحكم صافرة في مصلحته. غير أنّ التداعيات الواقعيّة قد تكون من أخطر التحدّيات التي على اللبنانيّين أن يستعدّوا لها.

أوّلاً: يشعر كبار المسؤولين اللبنانيّين برياح العاصفة التي تضرب سوريا والتي قد تمتدّ إلى لبنان في أيّ لحظة، ويعتقدون أنّ الاستعداد الأفضل يكمن في جلوس قوى 8 و14 آذار إلى طاولة الحوار مجدَّداً في محاولة لإبعاد كأس الانعكاسات الأمنيّة ميدانيّاً، خصوصاً وأنّ العصبيّات المذهبية في ذروتها، وأنّ الانقسامات السياسيّة الحادّة في ظلّ هذه المناخات من شأنها أن تكشف البلاد أمنيّاً أكثر فأكثر، ولا مصلحة لأحد في الانجرار إلى زعزعة الاستقرار.

ثانياً: يراهن فريق الثامن من آذار، ولا سيّما "حزب الله" على قدرة النظام السوري على حسم أزمته عسكريّاً وأمنيّاً قريباً، ولطالما راهن على أنّ هذا الحسم سيتحقّق خلال أيّام، إلّا أنّ الاحتجاجات تحوّلت مواجهات وحرب مدن وعصابات، وتفشّت في أرجاء سوريا حتى بلغت مشارف العاصمة، وقد لا يمرّ وقت طويل لتنتقل الضربات إلى قلب دمشق، على رغم نشر القوّات الخاصّة في الجيش السوريّ في الأماكن الحسّاسة منها.

وإذا صحّت المعلومات أنّ "حزب الله" يستعدّ لمواكبة الحسم السوريّ بالانقضاض على خصومه في لبنان، فإنّ الحزب يكون سلك نفقاً انتحاريّاً، لأنّه لن يكون قادراً على الحسم العسكريّ على القوى الأخرى إلّا في مناطق معيّنة ولفترة زمنية محدّدة، لكنّ الثمن سيكون باهظاً جداً. غير أنّ الحزب منذ اندلاع الاضطرابات في سوريا، أي منذ 11 شهراً وحتى الآن، سلك سياسة عقلانيّة ورسَم مسافة معيّنة بينه وبين الأحداث السوريّة خصوصاً في هذه المرحلة، كي لا يدفع ثمن انهيار النظام إذا ما حصل.

 ثالثاً: تراهن قوى 14 آذار على سقوط الرئيس بشّار الأسد، وتُمنّي النفس بما ستحصده في لبنان من انتصارات نتيجة ذلك، وتحاول تطمين المسيحيّين ألّا خوفَ عليهم من السلفيّين إذا ما استلموا السلطة في سوريا، من دون أن تملك أيّ ضمانات فعليّة.

وترفض قوى 14 آذار العودة إلى طاولة المفاوضات قبل أن ينجلي غبار المعارك على سوريا، وفي سوريا، وفي الوقت ذاته تخشى اهتزاز الأمن في الداخل وعودة الاغتيالات والتفجيرات، لكنّها تأمن أنّ الجيش لن يسمح بانفلات شامل للأوضاع.

إزاء هذا الواقع، وبعد عودة مناخات الاغتيال وتواصل الرسائل والاهتزازات الأمنيّة، وبما أنّ الاستقرار هو مطلب دولي ولبناني، والفتنة المذهبيّة مرفوضة من الجميع وخصوصاً من "حزب الله"، ولأنّ النار في سوريا قد لا يمكن إخمادها أو منع امتدادها الى لبنان، يصبح التلهّي بالكهرباء والمازوت والموازنة والتعيينات جريمة وليس ترفاً سياسيّاً، ويغدو التفكير في حكومة وحدة وطنيّة، بدل حبّة "بنادول" على طاولة الحوار، مدخلاً جدّياً لتأمين مظلّة واقية من الفتنة المحتملة.

سوريا لن تتخلّى عن هذه الحكومة، والأفرقاء غير قادرين على الخروج عن طاعتها حتى الآن، لكنّ "حزب الله" في استطاعته أن يبقي قلبه في دمشق ويبادر بعقل هادئ في لبنان ويستبق الأحداث التي قد تطيح الحكومة المترهّلة ويجنّب البلد فتنة هو بغنى عنها. 

السابق
داتا الاتصالات بين كر وفرّ.. وصحناوي يتحمل تبعات حجبها
التالي
استكشاف لمعضلات الديبلوماسية التركية