عندما يتحدث المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي عن عمليات خطف في عاليه او في الضاحية الجنوبية او في مناطق اخرى، فهو يتحدث بمنطق العارف وبمنطق المسؤول، وهو يدرك تماما حجم ما يقول ومترتباته، اذ انه بحسه الامني يدرك جيدا ان سوريا بأجهزتها الناشطة امنيا وديبلوماسيا (لا فرق) ستردّ على الاتهام وستعمل على التضييق عليه اكثر، أملاً في ازاحته. وهو تحدث في لجنة حقوق الانسان النيابية امام نواب من "حزب الله" وقوى 8 آذار من غير ان يساوم، اذ قال ان السيارة التي خطفت جوزف صادر دخلت الضاحية الجنوبية حيث لا امكان لقوى الأمن اللبنانية الشرعية أن تتابع عملها الاستقصائي.
اللواء ريفي في هذا المكان تحديدا مثال، بل نموذج لمسؤول امني لم يتراجع ولم يتهيب الموقف عندما تخاذل بعض قوى 14 اذار او انكفأ. وعلى رغم ما عاناه من تهجم ومحاولات تضييق، ظل يقوم بواجبه العسكري ويجهر بالحقيقة في زمن تعمية الحقائق حفاظاً على الرؤوس والمواقع. واذا كان ضروريا إنصاف الرجل الان ومستقبلا، فان الملف الاهم هو مضمون ما تحدث عنه اللواء ريفي.
اتهم السفارة السورية بخطف مواطنيها في لبنان على ايدي امنيين لبنانيين يعملون في رفقة السفير علي عبدالكريم علي. واذ رد الاخير نافيا، دعا الى مراجعة الاتفاقات المعقودة بين البلدين في ضوء ما سماه التهريب والتحريض، كما دعا الى تقديم ادلة صارت في عهدة القضاء الذي نخاله لن يجرؤ على التحقيق في الملف كما لجنة حقوق الانسان التي قد لا تعود الى الانعقاد.
ان يأتي طلب مراجعة الاتفاقات من السفير السوري فرصةٌ على لبنان ان يلتقطها، لانها خطوة ضرورية اليوم او غدا، ومن الممكن تأجيلها نظراً الى الظروف التي تمر بها سوريا، لئلا يقال ان لبنان يستغل الاوضاع المتردية لحكم ال الاسد، فيمضي مع المجتمع الدولي في التضييق عليه. لذا يمكن تأجيل الموضوع الى حين، من دون تفويت الفرصة، انْ مع النظام الحالي أم مع اي نظام آخر يخلفه.
وننتقل الى ما تحدث به السفير علي، اي التهريب والتحريض. فالتهريب، وخصوصا تهريب السلاح، مضر بلبنان اكثر منه بسوريا، لان دمشق وحدها معبر السلاح غير الشرعي الى لبنان، وهو السلاح الذي يرتد عليها اليوم ويصدّر الى اراضيها. التنظيمات المؤيدة للحكم السوري لا يمكنها استيراد السلاح عبر اسرائيل ولا عبر البحر، المراقَب منذ القرار 1701. اذا فمن مصلحة لبنان ضبط حدوده لمنع تصدير فتح الاسلام والسلاح الايراني اليه، كنموذجين لانتهاك الحدود والاتفاقات معا.
اما التحريض، فحدث عنه ولا حرج، عبر الاعلام السوري والمسؤولين السوريين في أعلى المستويات. وهل ينسى الرئيس السنيورة الاهانات التي اصابته والتحريض عليه وهو رئيس لحكومة لبنان؟ وهل ينسى النائب وليد جنبلاط كيف تعامل معه الاعلام السوري عندما انتفض على وصاية مذلة؟ وهل نفتح ارشيف جبران تويني لنستمع الى الصفات والنعوت التي أطلقت عليه؟ وهل نسمع رأي وليد المعلم في المحكمة التي انما انشئت لتحقق العدالة؟ اليس كل الكلام السوري تحريضاً بتحريض؟ من يحاسب؟
لا يقولن احد من المتملقين والعملاء إننا نستغل الوضع السوري الدقيق، بل الضعيف (وان يكن السفير علي قال ان سوريا اليوم اقوى)، فخطابنا لم يتبدل، ولن يتلون، ولم يكن هدفنا المكاسب من التقرب منه او العمل لاسقاطه، ما هدفنا اليه دوماً هو تحقيق الاستقلال والسيادة والحرية للبناننا. لذا نؤيد دعوة السفير السوري الى اعادة النظر في الاتفاقات بين البلدين.

