في الأيام الأخيرة تنافس مشهدان سوريّان على إظهار واقعَين متناقضين، وكأن كلاً منهما يقترح على السوريين خياراً من اثنين: حملة “انتخابية” مؤدّاها الخضوع للنظام والبقاء في كنفه، أو مواصلة العيش في النزوح والتهجير القسريين وتحت القصف والبراميل والتجويع والترويع “الداعشي”… الجانب الاميركي استطاع ابتلاع الكثير من الأفاعي واستيعاب الكثير من الفظاعات: بدءاً مما بات قريباً من مئتي ألف قتيل، الى المجازر الجماعية، الى استخدام الصواريخ البالستية في تدمير المدن، الى التغاضي عن القتل بالسلاح الكيماوي، الى التفرّج على البراميل المتفجّرة، الى السكوت غير المفهوم وغير المبرر على تدخل ايران و “حزب الله” والميليشيات العراقية، الى الخديعة الروسية في التحضير لمفاوضات جنيف وفشلها… لكنه لم يتمكّن من التغلّب على تردّده في تسليح معارضة يريدها أن تغيّر المعادلة الميدانية، بسبب “مخاوف” من وقوع أسلحة نوعية في أيدي ارهابيي تنظيم “داعش” وغيره. هذا التردّد كان سائداً حتى قبل الظهور “الداعشي” واستفحاله وقبل تعاظم الانخراط الايراني وفجوره، واستمرّ بعدهما كما لو أنه تقصّد تسهيل سعيهما الى إنقاذ النظام.
وقد أنجزا المهمة… حتى الآن.. كما في افغانستان كذلك في العراق والآن في سورية، يستشري الارهاب كنتيجة للإهمال الاميركي… فالدول العظمى لا تعترف عادةً بأخطائها. والأكيد أن واشنطن متحفّزة لمحاربة المجموعات التابعة لـ”القاعدة” أو المتآخية معها، بل تريدها كـ”أولوية” تسبق حتى مواجهة النظام، لكن “الائتلاف” مضطر للمحاربة على الجبهتين معاً وفي آنٍ واحد. أما غير المؤكد فهو أن يؤيد الاميركيون الجانب المتعلّق بإيران وأتباعها في التعريف الذي قدّمه “الائتلاف” للتعاون، على رغم “استراتيجيته” الجليّة، اذ إن واشنطن منخرطة في بناء “توافق” مع طهران ولا تريد في هذه المرحلة تبنّي أي مشروع علني لمحاربتها حتى في سورية. لذلك، فإن العلاقة مع “الائتلاف” لن ترقى الى مرتبة استراتيجية طالما أن طرفيها لم يتفقا على أهداف مشتركة تحقق لكل منهما مصالحه. وبعد فشل مفاوضات جنيف وذهاب النظام الى انتخابات رئاسية، لم يبقَ لواشنطن سوى أن تعتمد “الائتلاف” وحتى أن تسهّل تطوير تسليحه. صحيح أنها حاولت إبقاء مسافة بينها وبين المعارضة، إلا أن النظامين السوري والايراني لم يخطئا حين جيّرا هزائم المعارضة كهزائم لأميركا.

