تناقضات وزارية والمعارضة لا تتلقّف الكرة

استدرك الافرقاء المشاركون في الحكومة ما فات المعارضة استدراكه في توظيف ازمة السائقين العموميين الذين تنتمي قياداتهم الى جهات معروفة في الاكثرية المشاركة في الحكومة. اذ ان الاضراب الذي حصل على تشجيع هذه الجهات ودعمها من اجل تحقيق وعود تم الاخلال بها كان سيوجه ضربة للحكومة من زاويتين على الاقل هما: ان افرقاء الحكومة يتظاهرون ضدها في مظهر سوريالي غريب، وان وزير الاشغال العامة والنقل غازي العريضي كان سيشارك السائقين العوميين اضرابهم ويلتقي معهم في مسيرتهم عند مستديرة الكولا بحسب ما كان ابلغ الاتحادات المعنية قبيل انعقاد جلسة مجلس الوزراء. ولم تكن هذه النقطة الوحيدة التي يناقض بها افرقاء الحكومة انفسهم بل ان النقاش في مجلس الوزراء كشف مدى عدم جدية الوزراء وسياسة النكايات التي يعتمدون.

اذ ان بدل المحروقات للسائقين تمت الموافقة عليه ابان فترة تصريف الاعمال للحكومة السابقة وفي عز مخاض تأليف الحكومة تحت وطأة مزايدات قام بها نواب من "حزب الله" والتيار العوني من خلال المطالبة
باعطاء وزارة المال للسائقين العموميين ما يوازي 25 صفيحة بنزين، وحاول الطرفان توظيف الخطوة لمصلحتهما حين وافقت وزيرة المال السابقة ريا الحسن على اعطاء نصف هذه الكمية انما بعد موافقة كل من رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري الى جانب موافقة رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي. لذلك بدا النقاش في مجلس الوزراء حول الموضوع مناقضا لهذه المسؤولية في اتهام وزارة المال في الحكومة السابقة بالتبرع للسائقين العموميين او بنصب الحكومة السابقة فخا للحكومة الحالية عبر هذه الخطوة كما في عدم قانونية الخطوة التي تمت في ذلك الوقت، علما ان من حفز هذه الخطوة نواب مشرعون لم يعترضوا عليها حين أثيرت وكانت معركتهم تسجيل نقاط ضد رئيس الحكومة سعد الحريري في محاولة كسب شعبية تبرر اطاحتهم الحكومة. 
ويبدو النقاش الذي نشأ في مجلس الوزراء حول الموضوع مماثلا بنسبة كبيرة لذلك الذي نشأ حول مشروع الكهرباء على نحو يظهر تخبط وزراء كثر في مواقف عشوائية تناقض مواقفهم السابقة ويحاولون تبريرها بالظروف السياسية او نسبها الى سواهم في حال كانت ثمة تبعات لها كما هي الحال بالنسبة الى موضوع السائقين. الى ذلك، فان الارتباك كان كبيرا من ضمن الفريق الواحد من حيث تشجيع احدهم على الاضراب وتوفير غطاء سياسي له بحيث يمكن ان يستفيد سياسيا وشعبيا من الامر كيفما كانت الحال، وبين رفض آخر الاضراب تحت اي ظرف. وهذا الاخير يبدو وراءه "حزب الله" على نحو اساسي الذي لا يبدو انه يرى مصلحته في حصول اضرابات او تظاهرات او اي تحركات على الارض في هذا الظرف نتيجة ما يمكن ان تؤدي اليه. وربما يتصل ذلك بالمخاوف مما يحصل واحتمال امتدادات الربيع العربي في شكل ما الى الداخل اللبناني وتأمين منفذ له عبر اضرابات يشجعها افرقاء في الحكومة. كما ان ليس من مصلحة الحزب اصابة الحكومة او تعرضها لاي اهتزاز من اي نوع حرصا على بقائها وعدم التضحية بها في الظروف الراهنة.

فهذا الامران يبدوان خطا احمر جديدا للحزب في هذه المرحلة من حيث اضطراره الى استيعاب التخبط الذي يصيب افرقاء الحكومة وما يواجهه هو ايضا على هذا الصعيد، علما انه اضطر الى استيعاب مسألتين تطاولانه في العمق احداهما هي مسألة القيادي في التيار الوطني الحر العميد فايز كرم اذ اضطر الحزب الى ان يشرح للعماد عون مدى خطورة الاتهامات التي تهدد الامن السياسي للحزب نتيجة امور عدة قام بها كرم مما يتعذر معه عدم الحكم عليه الامر الذي اضطر زعيم التيار الوطني الى تحويل حملته ضد شعبة المعلومات على رغم انه على اطلاع على حيثيات الاتهام في بنوده كافة وفق ما يملكه الحزب. والمسألة الاخرى تتصل بالتهديدات التي ساقها حليفه المسيحي ضد الحكومة في مشروع الكهرباء والذي اضطر في ضوئها الى لملمة الامور خوفا على الحكومة ومنعا لتعريضها للخطر. ويندرج في هذا الاطار على الارجح ما يتردد عن محاولات يقوم بها الحزب او كان يقوم بها من اجل ترطيب الاجواء بين الافرقاء المشاركين في الحكومة بعد الشرخ الذي اصابها بسبب مشروع الكهرباء خصوصا في تصدي وزراء الحزب الاشتراكي لعدم وجود آلية واضحة للكهرباء على ما سعى خلال الاسبوع الماضي قبل ان يحمل البعض على مواقف النائب وليد جنبلاط ولو ان الحزب وضعها في اطار الاجتهاد السياسي الاعلامي وغياب اي موقف مدروس من جانبه في هذا السياق.

هذا المشهد الحكومي المتكرر يوحي على نحو غير مبالغ فيه ووفقا لمصادر وزارية بان الحكومة اشبه بما تكون ملصقة قسرا بعضها الى البعض منها الى وجود رؤية موحدة للامور على اي صعيد. وحتى الان كان هناك مشروع الكهرباء وخطة النقل التي ادرجت على اعمال مجلس الوزراء والحبل على الجرار وصولا الى تمويل المحكمة التي تؤكد المصادر المعنية انه سيحصل، وان العمل ينصب حاليا على ايجاد الصيغ المناسبة والتي لا تحرج "حزب الله"، علما انه سيكون محرجا في اي حال ما دام سيقبل او سيغض النظر عن تمويل محكمة يعتبرها اسرائيلية – اميركية هدفها النيل منه في ظل حرصه على المحافظة على الحكومة راهناً بأي ثمن. 

السابق
ميقاتي عند البطريرك
التالي
الأحزاب المسيحية والسنية في لبنان تعد 50 ألف مقاتل للمعركة المقبلة مع حزب الله