منذ ثلاثة عقود تخلى معظم النظام الرسمي العربي عن قضية فلسطين بذرائع عدة. البعض من هذا النظام أعلن عدم قدرته على مواجهة أميركا، أو عدم تحميل شعبه أعباءً عن كل العرب. آخرون حوّلوا اهتمامهم إلى المواجهة مع إيران. الشمال الأفريقي غرق في مشكلاته وقضاياه الداخلية وتذرّع ببُعده عن الحدود، وعدم إشراكه في استراتيجية المواجهة. بعد كامب ديفيد انحصر النشاط الفعلي في دائرة الجغرافيا الفلسطينية اللبنانية السورية، أي تلك الأطراف المعنية باحتلال أرضها. ظل لبنان وحده يمارس العمل المقاوم على الحدود داخل أرضه حتى صدور القرار 1701 بعد حرب تموز 2006. لم يعد ممكناً تحريك الجبهات الحدودية إلا بقرار حرب لا تملكه إلا إسرائيل وحدها. كل ما لدى التحالف اللبناني السوري الإيراني والفلسطيني في غزة لم يكن أكثر من قوة دفاع جدية تخضع لحسابات مختلفة ومصالح متباينة بين عناصرها. ما قدّمه هذا التحالف إلى غزة المحاصرة لم يستطع أن يشكل «الأرض المحرّرة» كقاعدة انطلاق للتوسع. لم تكن هناك حماية سياسية عربية ولا دولية ولا عسكرية لأي عمل عسكري نوعي، فضلاً عن اختلال ميزان القوى في غير صالح جميع هذه الأطراف. تراجعت شرعية «المقاومة» العسكرية لصالح العمل السياسي والدبلوماسي والتفاوض، وغالباً استناداً إلى الطرف الأقوى في هذا التحالف وهو إيران.
زادت أزمة هذا التحالف بعد تراجع حدة المواجهة الأميركية الإيرانية، وحصول تفاهمات جزئية، وتراجع قدرة سوريا على ممارسة أي شكل من الضغوط في ظل المعادلة الراهنة.
في حصيلة هذه التطورات لم تعد سوريا عقدة الموقف العربي من قضية فلسطين ولم تعد عملياً نقطة ارتكاز أي مواجهة مسلحة حدودية. في المدى المنظور أصبحت سوريا نقطة غير حاكمة في المنظومة الدفاعية.
خلطت الثورات العربية الأوراق من جديد. بدأت مصر تزيل جدار الفصل الحديدي بينها وبين غزة، وراحت إسرائيل تبني جداراً على الحدود مع سوريا في الجولان. تدابير الأمن هنا أو هناك أصبحت تفصيلاً صغيراً في المشهد الذي يتكوّن إقليمياً. لم تعد الحدود العربية مع فلسطين رهناً بسياسة هذا النظام أو ذاك أو هذا الزعيم أو ذاك.
إدارة الصراع العربي الإسرائيلي كما في السابق هي محل مراجعة من الشعوب التي ستكون لها كلمتها، بقطع النظر عن أن العرب ليس في مقدورهم الآن شن حرب نظامية. لكن الأنظمة لم يعد في مقدورها إخضاع الشعوب لانضباط كالذي ساد في العقود الماضية. وبمعزل عن احتمالات اندلاع أشكال من المقاومة المسلحة المحدودة هنا أو هناك، فإن مناخ الثورات العربية أطلق الفعل السياسي العربي الشعبي من قيوده وأدخله طرفاً رئيسياً في المواجهة. لم تكن مبادرة شباب مصر إلا مقدمة وبداية لمسار عربي آخر. لا يقطع في هذا التوقع أن معارضاً هنا أو هناك مصري أو سوري أو ليبي دعا إلى «السلام» مع إسرائيل أو حتى تعاون معها. فليس هذا «المعارض» يملك قرار شعبه ولا سواه من القوى والتيارات حين تكتمل عملية التغيير وتظهر قواعد الديموقراطية التي تحتمل كل المواقف والآراء والاتجاهات.
أخذ الاستبداد شعب مصر كله إلى موقع المهادنة مع إسرائيل لأنه صادر قراره. أسكت الاستبداد الليبي هذا المعارض الموالي لأميركا ولإسرائيل، لكنه أسكت أيضاً الملايين من الليبيين الذين لم يكونوا قادرين على التعبير عن موقفهم الوطني والعربي أو معارضتهم لسياسة المقايضة مع أميركا على مصالح سلطوية شخصية. ولم يكن مناخ الحريات في لبنان الذي سمح لتعاون سافر بين قوى سياسية وإسرائيل ليمنع ظهور أهم مقاومة وطنية ثم إسلامية وإنجازاتهما.
مَن يخشى على مستقبل الصراع العربي مع إسرائيل من الاحتواء الأميركي للثورات العربية أو من التأثير فيها، مخطئ في تقديره أو مجتزئ في رؤيته. المشروع الصهيوني سيظل يقلق شعوب المنطقة ومعه السياسات الإمبريالية على حساب مصالح الشعوب وكرامتها. ومن البديهي أن الكرامة الإنسانية والوطنية والسعي إلى الحرية والتقدم الاجتماعي لن تتوقف عند إزالة حاكم مستبد تابع لإنتاج نظام آخر مستبد تابع. فشلت السياسات العربية تجاه فلسطين حين جعلت المواجهة مجرد معركة عسكرية تندلع كل عقد من الزمن بين جيوش وفي ظل حسابات دولية وتحت سقفها. المواجهة مع المشروع الصهيوني هي مواجهة شعوب ومجتمعات لا تختصرها المعارك الحربية وإنما تعبّر عنها فقط. ما يحصل عربياً الآن هو فيض من النهوض الوطني يصحح الكثير من المعادلات الجزئية، معادلات نظام يمانع، أو مقاومة أنجزت نجاحاً موضعياً أو صمدت في وجه محاولة إلغائها. إذا لم يكن العرب الآن في مسار المقاومة الشاملة فتلك مسؤولية الفكر المقاوم ومسؤولية القوى والتيارات والنخب السياسية والاجتماعية والثقافية.
ولم يأت بعد الوقت لنسأل عن خيارات الشعوب قبل أن تنجز مهمة أخذ القرار الوطني أو المشاركة فيه. الديموقراطية ليست حلاً سحرياً لمشكلات العرب لكنها المقدمة الضرورية لإطلاق إمكانات الشعوب المكبوتة. ما يحتاجه العرب منذ نصف قرن ليس فقط مواجهة عسكرية ناجحة وقد كانت لهم جولات كثيرة، بل هم يحتاجون إلى خوض غمار المواجهة الحضارية بكل أبعادها. الديموقراطية وسيلة ناجحة لمنع تكرار تجربة الاختزال والاختصار والاستفراد. كفى الثورات العربية اليوم أن تحقق هذا الهدف حتى تنفتح آفاق تحقيق أهداف أخرى.

