في القلمون كسب النظام السوري نقاطاً ميدانية ثمينة من خلال سيطرته على مدينة “النبك” ما سمح له بتأمين الطريق التي تربط ما بين دمشق وحمص والتي كانت خاضعة لنيران المجموعات المعارضة للنظام. وبعد النبك يستعدّ الجيش السوري لمعركة يبرود – رنكوس والتي هي عملياً آخر المناطق الكبرى والاستراتيجية في القلمون، وبمعنى اوضح عندما ينجح بالسيطرة على هذه البقعة تكون معركة القلمون قد حسمت.
لكنّ هذا المشهد عند حصوله، وفي مدة زمنية لن تتجاوز الخمسة اسابيع كما حددته القيادة العسكرية السورية، لن يعني ابداً زوال الخطر عن الساحة اللبنانية، لا بل على العكس سيكون ذلك بدايةَ دخول الساحة اللبنانية في المرحلة الخطيرة والفائقة الحساسية. إذ إنّ ذلك سيكون البداية لإنتقال كل هذه المجموعات المتطرفة الى الداخل اللبناني، وتحديداً الى عرسال وجرودها، ما يعني انّ كل عوامل اهتزاز الاستقرار الامني الهش اصبحت متوافرة.
والواضح أنّ اركان الدولة اللبنانية الذين يطلقون مواقفهم “الوطنية” إنطلاقاً من زواياهم الشخصية لا يضعون ايّ خطط مطلوبة لاستدراك الخطر الآتي. فهذه السلطة التي هي اشبه بمنبرٍ اعلاميٍّ بلا حركة فعلية، تبدو غائبة عن ايّ تخطيط او استدراك او تقدير للامور، وحتى عندما تجري تقديراتها في حالات نادرة، فإنها تأتي خاطئة كما يحصل في تعاطيها مع احوال الطقس وحماية الطرق من الفيضانات.
لكنّ غياب الدولة اللبنانية عن استدراك المخاطر الآتية عوّضته بعض الشيء الرقابةُ الدوليةُ إنطلاقاً من السعي لحماية مصالحها. ذلك أنّ هذه الدول التي تراقب بدقة الوجود الخطير لهذه المجموعات في القلمون حيث أقامت لنفسها بنيةً تحتيةً متينةً وعملت على ربط الساحة اللبنانية بها، أو على الاقل، منطقة عرسال المحاذية، لا تبدي اعتراضها على نجاح الجيش السوري في السيطرة على كل هذه المنطقة وتطهيرها من هذه المجموعات، بدليل صمت المسؤولين الغربيين المطبق تجاه تقدم الجيش السوري وعدم تركيز الاعلام على ما يجري هناك.
وتُدرك هذه العواصم انّ تسرّب هذه العناصر الارهابية والتي تضمّ في صفوفها الوف الرجال الذين يحملون جنسيات اجنبية الى الاراضي اللبنانية سيؤدي لاحقاً الى اقامة مناطق مشابهة لما هو حاصل في القلمون الآن، ما يفتح الباب امام انزلاق الوضع سريعاً الى الفوضى الواسعة وضرب مصالح الغربيين في لبنان وفتح أبواب تسلل هؤلاء لاحقاً الى اوروبا والعالم الغربي.
لذلك يجري الحديث حول دفع السلطات السياسية اللبنانية (الغائبة عن الوعي) الى إجراء ترتيبات داخلية سريعة ما بين القوى الحزبية التي تمثل عرسال، وتلك التي تمثل المناطق المحاذية، أي “حزب الله”، وعلى اساس تفاهم يقضي بإطلاق يد الجيش اللبناني بنحوٍ كامل وفعلي لفرض سلطة الامن في كل المناطق الموجودة في البقاع الشمالي، بحيث يعتقل ايّ مسلح او مخلّ بالامن او مطلوب للعدالة بلا اي استغلال سياسي، ويعطي الجيش حرية الحركة والدهم، على أن يؤسس ذلك، في حال نجاحه، لتطبيقه فعلياً في طرابلس وعكار. وبطبيعة الحال فإنّ ذلك يتطلب تأمين الغطاء الاقليمي المطلوب.
وتكشف معلومات ديبلوماسية أنّ باريس أجرت مشاورات حثيثة مع وفود اميركية باتت موجودة دائماً في مقر السفارة الاميركية في باريس، وتتعلق هذه المشاورات بالوضع في سوريا والتطورات التي آلت اليها الاوضاع، سواء على المستوى الميداني، أو على الصعيد السياسي والخطوط العريضة لمؤتمر “جنيف – 2″، اضافة الى موضوع المجموعات الارهابية واحتمالات انتقالها الى لبنان وتهديد الوضع فيه.
وخلال هذه اللقاءات أطلع الفرنسيون نظراءهم الاميركيين على اتصالات اجراها عدد من المسؤولين الامنيين الاوروبيين مع القيادة الامنية السورية ممثلة باللواء علي مملوك في اطار الاطلاع على التحقيقات التي جرت مع معتقلين متطرفين، والتي تضمنت معلومات مثيرة حول طريقة عمل هؤلاء والترابط القائم بينهم وبين مجموعات اخرى موجودة خارج الاراضي السورية والتحضيرات التي تقوم بها.
لكنّ الجهات الفرنسية ابلغت الى الجهات الاميركية انّ هذه الاتصالات جمّدتها سوريا في الاسابيع القليلة الماضية بعدما وضعت شرطاً بأنّ تعاونها الامني لن يُستكمل إلّا من خلال السفارات المعتمدة في دمشق بعد اعادة فتحها.
والواضح أنّ المسؤولين السوريين باتوا يسعون لاستعادة الاعتراف الدولي من خلال الورقة الامنية التي تسيّل لعاب الغرب وبعد النقاط الثمينة التي كسبوها من التفاهم الاميركي ـ الايراني. ويبدو أنّ بعض الدول الاوروبية تتجه لاعادة فتح ابواب سفاراتها، ولو على مستوى الملحقين العسكريين وموظفي الفئة الثانية.
وكشفت مصادر ديبلوماسية مطلعة أنّ الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند يستعدّ لزيارة السعودية في 29 الجاري، ولذلك إستُدعي السفير الفرنسي في الرياض على عجل الى باريس للمشاركة في إعداد برنامج هذه الزيارة.
وحسب المعلومات فإنّ هولاند الذي نسّق زيارته مع واشنطن حرص على حصول الزيارة قبل انعقاد مؤتمر “جنيف – 2” للبحث في الملفات التي تثير حساسية السعودية، خصوصاً أنّ فرنسا تتولى رعاية وفد المعارضة السورية وترتيبه.
واكدت المعلومات أنّ هولاند سيطرح مع الجانب السعودي الوضع اللبناني الداخلي الدقيق بعد الانتهاء من معالجة الملف السوري وعلى أساس تأمين الغطاء السياسي الكامل للجيش اللبناني للقضاء على المجموعات المتطرفة ومنع تغلغلها في لبنان، بدءاً من منطقة البقاع الشمالي ووصولاً الى الشمال وبقية المناطق اللبنانية، والعمل على حلحلة الأزمة السياسية.

