بات واضحاً أنّ ملف تأليف الحكومة قد وضع على الرف كنتيجة مباشرة للقمة اللبنانية – السعودية، لتتفرغ البلاد في متابعتها لملفين اساسيين سيؤثران بمقدار كبير في الوضع اللبناني. الاول أمني ويتصل ببدء معركة القلمون. والثاني سياسي – ديبلوماسي ويتعلق بآخر تطورات التسوية الاميركية ـ الايرانية.
فعلى صعيد معركة القلمون والتي بدأ الحديث عنها منذ فتر ة طويلة، فإنّ المناخ اللبناني الداخلي، خصوصاً في مناطق البقاع الشمالي بدأ يرزح تحت ثقلها. صحيح أنّ الحديث عن هذه المعركة بدأ منذ فترة بعيدة، لكنّ الصحيح أيضاً أنّ أهداف السيطرة على منطقة القلمون تُعتبر حيوية بالنسبة الى النظام السوري و”حزب الله” في آن معاً.
وتروي الاوساط المتابعة انّ الرئيس السوري بشار الأسد، وخلال الفترة التي سبقت أزمة “الكيماوي”، كان قد طلب من قيادته العسكرية العمل على انجاز التحضيرات المطلوبة لمعركتين كبيرتين: “القلمون وحلب”.
وحسب اوساط ديبلوماسية فإنّ العواصم الغربية كانت تمتلك معلومات تشير الى انجاز التحضيرات المطلوبة لهاتين المعركتين بالتنسيق مع “حزب الله” مع اعطاء الاولوية للقلمون لأسباب عدة أهمها، الموقع الجغرافي الحيوي والذي يشكل آخر “جيب” يتواصل مع العمق اللبناني إنطلاقاً من منطقة عرسال، اضافة الى تحول مناطق القلمون ولا سيما منها جردها الاعلى قواعد كبيرة وقوية للتنظيمات المتطرّفة، حيث نجحت في انشاء بنية تحتية قادرة على تهديد عمق سوريا، إضافة الى المناطق التي تشكل البيئة السكانيّة لـ”حزب الله”.
وتزامن كلّ ذلك مع بدء مرحلة السيارات المفخخة في الضاحية الجنوبية لبيروت والتي اظهرت انّ قواعد الانطلاق والتخطيط موزعة في منطقة القلمون، وأنّ الهدف من الضغط الأمني هو تأليب المجتمع الشيعي على “حزب الله” لدفعه الى سحب عناصره من سوريا بهدف اضعاف جبهة النظام.
لكنّ عاملين إستجدّا بعد التحول السياسي الكبير انطلاقاً من أزمة الكيماوي: الاول تداعي العناصر المتطرفة الى مساندة إخوانهم في القلمون والاستعداد لها على اساس أنها معركة مصيرية. والثاني تكريس الانشقاق، لا بل حال العداء بين كل من “الجيش الحر” و”داعش” و”النصرة”.
هذا التقاتل بين هذه المجموعات أدّى الى فراغات كبيرة في ريف حلب ما ادى الى استغلال الفرصة والاندفاع في هذا الريف، وتأجيل معركة القلمون في انتظار قدوم الصقيع القارس والامطار والثلوج ما يؤذي المتخندقين في جرود القلمون ويعطي افضلية للمهاجمين المجهزين والموجودين داخل آلياتهم والمدعومين بسلاح الطيران. ولذلك يعتقد كثيرون انّ توقيت المعركة بات قريباً قبل أن يؤدي تراكم الثلوج عندما يؤون أوانه الى نتائج معاكسة.
لكنّ انعكاسات هذه المعركة على لبنان، خصوصاً على عرسال السنّية او بعلبك – الهرمل الشيعية قد يكون مؤذياً، إذ لا تكفي الاجراءات التي نفذّها الجيش لحصر هذه التداعيات، فيما المطلوب تحصين سياسي واجتماعي ما يزال غير موجود.
اما على صعيد التطورات الاميركية – الايرانية، فانّ المؤشرات كلها تذهب في اتجاه قرب الاعلان عن اتفاق كامل حول البرنامج النووي الايراني يخفي وراءه تفاهماً أوسع وأكثر شمولاً حول تفاهمات سياسية لمناطق النفوذ وحدودها وحجمها.
وصحيح اننا في نهاية الامر نعيش في الشرق الاوسط حيث التطورات المفاجئة واردة في كل لحظة وهي قادرة على عرقلة المسار وتغيير الامور، لكنّ الاوساط الديبلوماسية المتابعة لهذا الملف تبدو مطمئِنّة الى انّ الامور اصبحت في خواتيمها.
وهذا الاستنتاج هو ما يمكن الخروج به بعد اطلالتَي الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله اللتين حرص على ان تكونا مباشرتَين. ما يعني انّ الخطوط العريضة للترتيب حول منطقة الشرق الاوسط قد اصبح جاهزاً. وما يزيد من هذا الإقتناع هو الاعلان عن التفاهم الروسي ـ المصري حول صفقة الاسلحة.
وعلى عكس بعض التفسيرات السطحية فإنّ الأوساط المراقبة تضع ذلك في اطار الحصة الروسية في الصفقة القائمة. فإضافة الى موقع موسكو في سوريا من خلال النظام ودورها الذي يأتي ليرث الدور الفرنسي لجهة رعاية الاقليات الدينية في منطقة “الهلال الشيعي”، فإنّ صفقة السلاح مع مصر تساهم في اعادة احياء هذا القطاع الذي شهد تراجعاً مخيفاً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.
وكان لافتاً ما كتبه باتريك سيل على صدر صفحات “نيويورك تايمز” حول وجوب قراءة سياسة واشنطن في الشرق الاوسط بدقة أكثر من الآن وصاعداً والتي ستقوم على توازن مدروس ما بين ايران والعالم العربي، وبتعبير اوضح ما بين “الهلال الشيعي” الممتد من ايران حتى الشاطىء اللبناني و”الهلال السنّي” الذي يرتكز على منطقة الخليج.
ويشرح سيل في مقالته انّ واشنطن لم تعد قادرة على أيّ “دعسة ناقصة” في المنطقة، وأنها ستجترح سياستها الجديدة على اساس تخفيف الاعباء الكبيرة الموجودة عن كاهلها، وبمعنى أدقّ الانسحاب من المسؤولية عن التدخل المباشر لمصلحة تنظيم تفاهمات مع وكلاء محليّين اقوياء.
وفي انتظار هذين الحدثين الامني والديبلوماسي سيضع لبنان جانباً ملفاته الساخنة، وفي مقدمها استحقاقا تأليف الحكومة ورئاسة الجمهورية. وكان واضحاً مع عودة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان من الرياض انّ الرئيس المكلف تمام سلام الممنوع من الاعتذار سيحاول تقطيع الوقت قبل تظهير الصورة المطلوبة، وقبل عودة سليمان الى السعودية في شباط المقبل لحسم ملف الحكومة واستشراف ملف الانتخابات الرئاسية من خلاله.
في وقت بدأ يتردّد بصوت خافت انّ العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز قد يقدم على تعديل وزاري واسع في شباط وآذار المقبلين وسيكون مناسبة لترقية رئيس الاستخبارات السعودية الامير بندر بن سلطان وتعيين بديل منه في هذا الموقع.

