يخطئ من يعتبر أنّ هناك أكثر من دور للمسيحيين، فيما عملياً لا وجود سوى لدور واحد، وهذا الدور إمّا أن يكون أو لا يكون، وهو لا يُفتعل ولا يُصطنع ولا يُبتكر، إنّما يأتي بشكل تلقائيّ انسجاماً مع طبيعة هذا الفرد أو تلك الجماعة في الدفاع عن تراثها وثوابتها ونمط عيشها.
فلا دور للمسيحيين خارج إطار الحرّية، وأيّ دور خارج هذا الإطار لا يمتّ إلى المسيحية بصِلة، لأنّ أيّ دور هو انعكاس بديهيّ للمفاهيم الراسخة والمتأصّلة داخل بيئة معينة، فضلاً عن توجّهات هذه البيئة وتطلعاتها وأهدافها.
ومن هنا، المطلوب ليس البحث عن أيّ دور للمسيحيين، بقدر دفع المسيحيين إلى القيام بدورهم الطبيعي عوضاً عن الاستقالة من هذه المهمة لاعتبارات متعدّدة، أي أنّ المطلوب ليس ابتكار دور ما، إنّما استنهاض المسيحيين وحثّهم وتحفيزهم على تحمّل مسؤوليّاتهم.
(…) فالتقاطع المسيحي-المسيحي على البعد الاجتماعي يجب أن ينسحب على البعد السياسي، إذ لا يجوز عقد تحالفات سياسية مع جهات لا تشاطرهم نفس المفاهيم، ولا بل إنّ سلوك هذه الجهات يصطدم مع تطلّعات المسيحيين الاجتماعية والسياسية، ولا حاجة للتذكير بممارسات النظام السوري القمعية ومن ثمّ الإيراني و”حزب الله”، هذه الأنظمة التي تريد القضاء على كلّ الأسُس والمبادئ التي قام عليها لبنان، وكان للمسيحيين الدور الأساس في إرسائها.
فأيّ محاولة للحدّ من الحرّية هي تحديد لدور المسيحيين. وأيّ محاولة لخطف القرار السياسي للبنان هو خطف لقرار المسيحيين. وأيّ اعتداء على سيادة لبنان هو اعتداء على المسيحيين. وأيّ انتهاك لاستقلال لبنان هو انتهاك لكرامة المسيحيين… فلا دور للمسيحيّين خارج إطار الحفاظ على سيادة لبنان واستقلاله وحرّية قراره.
وإذا كانت التعدّدية المسيحية أمراً ضرورياً وحيوياً، فإنّ اتفاق المسيحيين على رؤية واحدة مسألة ضرورية وبديهية، إذ لا يمكن أن يكون مسيحياً من يقف ضد الحرّية، والحرّية لا تتجزأ بين نظام سياسي قمعي وحرّيات فردية مؤمّنة، لأنّ أي نظام قمعي لا بد أن يحدّ من الحرّية الفردية، وربما يقضي عليها أو أنه يسمح بها ضمن الحدّ الذي لا تتعارض فيه مع إحكام قبضته الديكتاتورية على مفاصل السلطة.
وأمّا نظريات أفعل التفضيل فلا وجود لها في قاموس المسيحيّين، وذلك من قبيل تخييرهم بين نظام قمعي “علماني”، ونظام قمعي “ديني”، فالنظامان وجهان لعملة واحدة، والخيار الوحيد هو الدولة المدنية القائمة حالياً مع الدفع باتجاه تحريرها من خاطفيها وتطويرها لإبعاد أي تأثير طائفي على الممارسة السياسية.
إنّ الدفاع عن حقوق المسيحيين يبدأ بالدفاع عن حرّيتهم. ومن مستلزمات الحرّية وجود بيئة حاضنة، وهذه البيئة أساسها السلام، إذ لا حرّية إبان الحروب الأهلية والعسكرية. فالحرّية تنشأ وتتحصّن في المناخات السلمية، هذه المناخات التي لا يمكن توافرها إلّا بقيام الدولة التي تحتكر وحدها السلاح وقرار الحرب، ويكون القانون هو الفيصل بين المواطنين.
فالخطر الأول على الحرّية في لبنان متأتّ اليوم من “حزب الله” الذي يحول دون قيام الدولة نتيجة تمسّكه بسلاحه وتشريعه الباب أمام الحروب المفتوحة، إن الخارجية مع إسرائيل والشعب السوري والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، أو الداخلية بتهديد اللبنانيين مع كل إشراقة شمس تحت عنوان “ما تجربونا”.
وقد أصاب لقاء “سيّدة الجبل” بإطلاق مبادرة من “أجل سلام لبنان”، لأنّ السلام وحده يشكّل مفتاح الاستقرار والحرّية والديموقراطية. فلا حرّية من دون سلام. وإذا كان عنوان الحرّية فضفاضاً، فعنوان السلام محدّد وآلياته واضحة، تبدأ مع تسليم “حزب الله” لسلاحه ولا تنتهي مع تطوير بنية النظام السياسي، انطلاقاً من اتفاق الطائف وصولاً إلى الدولة المدنية، التي مهمّتها التوفيق بين تحرير مؤسسات الدولة من كل العوامل التي يمكن أن تعيق عملها، وبين تطمين الجماعات بإعطائها التمثيل المذهبي وحق الفيتو داخل مجلس الشيوخ على القرارات ذات الطابع المصيري.
وأهمية قضية السلام التي رفعها لقاء “سيّدة الجبل” أنها قضية بمعايير دولية لا محلية فقط، لأنّ السلام هو العنوان الأول لعواصم القرار، فضلاً عن أنّ العولمة حوّلته أيضاً إلى العنوان الأول لدى شعوب العالم التي سئمت مشاهد الحرب والدم والقتل والعنف، وتريد أن يعمّ السلام جميع الدول، الأمر الذي يوحّد اللغة بين اللبنانيين والمجتمع الدولي ويعيد الأولوية للقضية اللبنانية.
فالأساس يكمن في كيفية محاكاة الغرب بطرح عناوين تضع لبنان في صلب الاهتمام الدولي. وهذا ما نجح اللقاء في صنعه بوضع لبنان على الأجندة الدولية، وإدخال السلام بنداً أولاً على أجندة اللبنانيين النضالية، ومن دون إغفال أهمية السلام في صلب الرسالة المسيحية.

