رفض مجلس النواب الأميركي، للمرة الثانية، مشروع قرار يهدف إلى تقييد سلطة الرئيس دونالد ترامب في إشراك القوات الأميركية في عمليات عسكرية داخل لبنان دون الحصول على تفويض مسبق من الكونغرس. وحصل مشروع القرار، الذي تقدمت به النائبة الديمقراطية عن ولاية ميشيغان «رشيدة طليب»، على 189 صوتاً مؤيداً مقابل 235 صوتاً معارضاً، لينتهي بالرفض رغم إدخال تعديلات جوهرية عليه مقارنة بالنسخة السابقة التي سقطت في وقت سابق من الشهر.
وقد نصت الصيغة المعدلة، التي حظيت بدعم قيادات الحزب الديمقراطي، على إلزام الرئيس بسحب القوات المسلحة الأميركية من «أي أعمال قتالية في لبنان» خلال سبعة أيام من إقراره، مع التأكيد على أن ذلك لا يمنع استمرار التعاون الأمني مع الجيش اللبناني أو حماية المنشآت الدبلوماسية الأميركية. وتختلف هذه النسخة عن الأصلية التي كانت تدعو إلى سحب القوات الأميركية من لبنان بالكامل خلال المدة نفسها.
وفي هذا السياق، أوضح زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب «حكيم جيفريز»، إلى جانب القيادية الديمقراطية «كاثرين كلارك» ورئيس الكتلة الديمقراطية «بيت أغيلار»، أن التعديل جاء لأن «القوات الأميركية ليست منخرطة حالياً في عمليات قتالية أو أعمال عدائية داخل لبنان».
عُقدة التفاهمات الإقليمية ونزع السلاح
ويأتي هذا التصويت في وقت تشهد فيه الحدود الجنوبية للبنان توتراً حاداً يهدد التوصل إلى اتفاق سلام نهائي بين الولايات المتحدة وإيران؛ إذ تطالب طهران و«حزب الله» بانسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من المنطقة ضمن أي اتفاق لإنهاء الحرب. وفي المقابل، يربط الاتفاق الذي وقعته الحكومتان الإسرائيلية واللبنانية الأسبوع الماضي انسحاب إسرائيل بنزع سلاح «حزب الله»، وهو ما يرفضه الحزب بشكل قاطع.
غطاء تشريعي لـ«مهمة كوبر» الميدانية في بعبدا
على المقلب الآخر، يرى مراقبون في واشنطن وبيروت أن إسقاط مشروع القرار للمرة الثانية يمنح البيت الأبيض تفويضاً ضمنياً ومرونة عالية للحركة ميدانياً في لبنان. ويتزامن هذا الغطاء التشريعي مع الزيارة الحساسة التي قام بها قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال «براد كوبر» إلى بيروت؛ حيث التقى رئيس الجمهورية جوزاف عون لبحث آليات تطبيق «المناطق النموذجية» وتسلّم الجيش اللبناني لبلدتي (زوطر الشرقية وفرون).
وأشارت مصادر سياسية وميدانية إلى أن التنسيق عالي المستوى بين قصر بعبدا والقيادة الأميركية يركز بشكل أساسي على دور القوات الأميركية في الإشراف الفني واللوجيستي وتوفير الدعم المالي لتنفيذ “الاتفاق الإطاري” على الأرض. هذا الغطاء الميداني الأميركي الذي تم ترتيبه خلال لقاء عون و«كوبر» بات محصناً الآن بفعل إسقاط محاولة الكونغرس لتقييد يد ترامب عسكرياً في لبنان.
سجال الديمقراطيين والجمهوريين تحت القبة
وخلال مناقشات مجلس النواب، وقالت النائبة «رشيدة طليب» إن مشروع القرار يهدف إلى «الوقف الفوري لأي مشاركة أميركية في الهجوم العنيف الذي تشنه الحكومة الإسرائيلية على الشعب اللبناني»، متهمة إسرائيل بتنفيذ «تطهير عرقي وتوسيع للأراضي» عبر عملياتها العسكرية في جنوب لبنان.
ومن جهته، وأشار النائب الديمقراطي «غريغوري ميكس»، العضو البارز في لجنة الشؤون الخارجية، إلى أن النسخة المعدلة «عالجت أوجه القصور» في المشروع السابق لضمان عدم انخراط واشنطن في «حرب لا نهاية لها» دون موافقة الكونغرس، مؤكداً في الوقت ذاته عدم مشاركة القوات الأميركية حالياً في أعمال قتالية نشطة إلى جانب الجيش الإسرائيلي.
وفي المقلب الآخر، انتقد رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، النائب الجمهوري «براين ماست»، مشروع القرار بشدة واصفاً إياه بأنه «أقل غرابة من النسخة السابقة، لكنه لا يزال سخيفاً إلى حد كبير»، معتبراً الخطوة بمثابة «انتصار للإرهابيين». وأضاف «ماست» أن «حزب الله هو الطرف الوحيد الذي لا يزال يعرقل السلام بين إسرائيل ولبنان»، مشيراً إلى أن الحكومة اللبنانية وإسرائيل ترغبان في إنهاء القتال، بينما يواصل الحزب رفضه التخلي عن سلاحه.
وإذا كان قادة الديمقراطيين يبررون رفض تقييد الصلاحيات بأن القوات الأميركية «ليست منخرطة في أعمال قتالية حالياً»، وبما أن الأدميرال «كوبر» وضع مع الرئيس عون اللمسات الأخيرة لإشراف واشنطن على تطبيق الاتفاق ميدانياً؛ فهل يمهد هذا الرفض البرلماني المزدوج لـ«تفويض مفتوح» يتيح لترامب زج الجنود الأميركيين في مواجهة مباشرة مستقبلاً إذا ما اصطدم تنفيذ الاتفاق بنيران رفض نزع سلاح «حزب الله»؟

