لم تؤدِ رسالة المرشد مجتبى خامنئي بشأن مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن إلى إنهاء الخلافات داخل معسكر النظام الإيراني، بل أطلقت موجة جديدة من تصفية الحسابات السياسية والاتهامات المتبادلة.
وقد دعا قسم من التيار الأصولي إلى دعم القرار النهائي، فيما طالب عدد آخر مؤيدي المفاوضات بتحمل المسؤولية، وتقديم الإجابات بشأن نتائج هذا المسار.
وكان المرشد الإيراني، مجتبى خامنئي، قد ذكر في رسالته أنه، رغم أن لديه “من حيث المبدأ رأيًا آخر”، فإنه أصدر الإذن بالمضي في مذكرة التفاهم بسبب تعهد رئيس البلاد، مسعود بزشكيان، وأعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي بتحمل مسؤولية هذا المسار.
وقد أفضت هذه العبارة القصيرة إلى قراءتين مختلفتين داخل معسكر النظام؛ إذ ركزت مجموعة على عبارة “أصدرت الإذن بذلك”، واعتبرتها دليلاً على الدعم النهائي من جانب المرشد للمسار الذي جرى اتباعه، بينما اعتبرت مجموعة أخرى أن عبارة “كان لديّ رأي آخر” تشير إلى معارضته الأولية للتفاهم.
وفي الوقت نفسه، يرى بعض المنتقدين أن مجتبى خامنئي، على غرار والده المرشد الراحل، علي خامنئي، منح الإذن باتخاذ القرار، لكنه في الوقت نفسه أبعد عن نفسه منذ البداية مسؤولية أي تداعيات محتملة له.
وبحسب هؤلاء، فإن تأكيده أنه كان لديه “رأي آخر”، لكنه سمح بالمضي في التفاهم بعد تعهد بزشكيان، يترك الباب مفتوحًا لتحميل الحكومة والمجلس الأعلى للأمن القومي وفريق التفاوض مسؤولية الفشل، إذا ما أخفقت مذكرة التفاهم في المستقبل.
وقال عضو هيئة تحرير “إيران إنترناشيونال”، مرتضى كاظميان، إن رسالة خامنئي تعكس قبولاً اضطراريًا للمفاوضات داخل النواة الصلبة للسلطة، لكنها في الوقت نفسه تنقل مسؤولية الاتفاق إلى الحكومة والمجلس الأعلى للأمن القومي.
كما قال علي شيرازي وكاميار بهرنك، وهما أيضًا من أعضاء هيئة تحرير “إيران إنترناشيونال”، إن مجتبى خامنئي، كما فعل والده بعد الاتفاق النووي السابق (خطة العمل الشاملة المشتركة 2015)، أبعد عن نفسه مسؤولية القرار.
وأوضح شيرازي أن المسؤولية أُلقيت على عاتق بزشكيان والمجلس الأعلى للأمن القومي، بينما أكد بهرنك أن خامنئي، من خلال تصريحاته المزدوجة المعنى، لم يتحمل أي مسؤولية، وفي الوقت نفسه حافظ على الخلافات القائمة داخل بنية الحكم.
وقال الصحافي والمحلل السياسي، جمشيد برزكر، تعليقًا على الرسالة المنسوبة إلى مجتبى خامنئي بشأن مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة: “إن أحد أهم الموروثات السياسية التي تركها علي خامنئي في بنية الجمهورية الإسلامية هو أسلوب إدارة المسؤولية؛ أي أن يكون صاحب الدور الحاسم وفي الوقت نفسه يتجنب تحمل المسؤولية”.
رسالة أفرزت روايتين متناقضتين داخل السلطة
قال محمد منان رئيسي، ومحسن مقصودي، ومرتضى محمودي، وهم من الشخصيات الأصولية، استنادًا إلى رسالة مجتبى خامنئي، إن معارضي المفاوضات كانوا قد حذروا منذ البداية من الثقة بالولايات المتحدة، وإن على مؤيدي هذا المسار الآن أن يجيبوا عن أدائهم ونتائجه.
كما دعا إسماعيل رمضاني، وهو خطيب مقرّب من السلطة، إلى إطلاق “حركة العودة إلى رأي المرشد”، وقال إنه بعد إعلان مجتبى خامنئي أن رأيه كان مختلفًا، ينبغي لمؤيدي النظام المطالبة بالعودة عن مسار التفاهم.
واقترح أن يتم إيقاف مسار المفاوضات الممتد 60 يومًا “بطريقة ما”، حتى لا تتكرر تجربة عدم ثقة المرشد الراحل، علي خامنئي، بالمفاوضات.
وقال إسماعيل رمضاني، في رد فعله على أول رسالة لمجتبى خامنئي بشأن مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، إنه بما أن “نائب الإمام المهدي” أعلن أن رأيه كان شيئًا آخر، فعلى الناس أن يطالبوا بإطلاق “حركة العودة إلى رأي المرشد”.
وأضاف مخاطبًا جمهوره أن نسبة الستين في المائة التي قال إنها تؤيد، وفقًا له، مواقف المرشد، يجب أن تتحرك للمطالبة بالعودة عن هذا المسار.
ومن جانبه، كتب رئيس تحرير صحيفة “فرهيختكان” الإيرانية، محمد زعيم زاده، أن “رأي المرشد لم يكن قبول نص الاتفاق”، لكنه احترم الرأي الجماعي وسمح بالمضي في الاتفاق بشرط تحقق الشروط المحددة.
وأضاف أن مسؤولية تنفيذ الاتفاق وتحسين الأوضاع الاقتصادية تقع على عاتق الحكومة، وأنه لا ينبغي منح “شيك على بياض” باسم المرشد لهذا التفاهم.
كما اعتبر عضو هيئة رئاسة البرلمان الإيراني، مجتبى يوسفي، أن رسالة مجتبى خامنئي تدل على إشرافه الكامل على عملية صنع القرار، لكنه شدد على أن الحكومة والمجلس الأعلى للأمن القومي مطالبان بتحمل المسؤولية بشأن تنفيذ الشروط المحددة وعدم السماح بتكرار تجربة الاتفاق النووي.
ولفت تغير مواقف عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، محمود نبويان، الانتباه أيضًا. فبعد رسالة مجتبى خامنئي دعا إلى الحفاظ على الوحدة، رغم أنه كان قد وصف “مذكرة التفاهم” سابقًا بأنها “مكلفة وخاسرة”، وقال إن الولايات المتحدة ستحقق من خلالها “انتصارًا كاملاً”.
بداية الصراع حول المسؤولية
كما انتقد حسين علي شهرياري، وعلي خضريان، وإبراهيم رضائي، وهم من أعضاء البرلمان الإيراني، طريقة المضي في التفاهم؛ فتراوحت انتقاداتهم بين الاعتراض على تهميش البرلمان، والتحذير من تكرار تجربة الاتفاق النووي، ورفض أي تراجع في الملف النووي أو السماح بعودة عمليات التفتيش التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ووصف المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، إبراهيم رضائي، مذكرة التفاهم بأنها “غير متوازنة”، وقال إن جميع الخطوط الحمراء لم تُراعَ فيها، محذرًا من أن أي تفتيش من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمنشآت النووية يتعارض مع قانون تعليق التعاون مع الوكالة، مؤكدًا أن البرلمان سيقف في وجه ذلك.
وكان رضائي قد طالب سابقًا بعدم تحميل المرشد كلفة سياسية لتبرير الاتفاق.
وفي المقابل، أبدى الحرس الثوري، وأمانة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، ورئيس البرلمان رئيس وفد التفاوض، محمد باقر قاليباف، والرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان دعمهم للمسار المتبع، لكنهم شددوا في الوقت ذاته على عدم الثقة بالولايات المتحدة، والاستعداد للرد في حال الإخلال بالالتزامات، وضرورة التنفيذ الدقيق للشروط المحددة.
أما الرئيس الإيراني الأسبق، حسن روحاني، فقد أكد ضرورة الحفاظ على “مكاسب التفاهم الأولي”، مشيرًا إلى أن إيران يجب أن تبقى يقظة في مواجهة أي إخلال محتمل من الطرف الآخر بالتزاماته.
كما دافع رئيس المجلس المركزي لحزب “المؤتلفة الإسلامي”، أسد الله بادامشيان، عن أصل فكرة التفاوض، وقال إن التفاوض ليس خيانة، بل إن نهاية كل حرب تفضي في النهاية إلى التفاوض.
وفي الوقت الراهن، تشكلت داخل بنية الحكم في إيران روايتان متوازيتان؛ الأولى تؤكد دعم القرار النهائي، والثانية تستند إلى عبارة “كان لديّ رأي آخر” لتحميل الحكومة والمجلس الأعلى للأمن القومي مسؤولية أي تداعيات محتملة لمذكرة التفاهم.
وتشير هذه الازدواجية إلى أن الوحدة المعلنة داخل معسكر النظام الإيراني لا تزال هشة ومؤقتة.

