بينما يجلس المفاوضون الأميركيون والإيرانيون على طاولة واحدة يرسمون معالم اتفاق قد يعيد تشكيل المنطقة، كان الثنائي الشيعي منشغلاً بما يحسنه أكثر من أي شيء آخر: الاحتفال، كالعادة، بتحويل هزائمه إلى انتصارات. لافتات النصر، وخطابات الصمود، والهتافات التي تملأ الميادين بوعود كبيرة عن الكرامة والسيادة والإنجازات التاريخية. مشهد يتكرر بانتظام مُحكم، كأن هذا الثنائي يعيش في زمن موازٍ لا تصله أصداء ما يجري خارج حدود خطابه.
لكن المفارقة هذه المرة أشد إيلاماً من المعتاد. فبينما يتحدث الثنائي عن انتصار، يجلس الآخرون ويتفاوضون على مستقبل لبنان. وبينما ترتفع الأعلام في الضاحية وجنوب الليطاني، تُرسم خرائط الحل والتسوية في عواصم لا يملك لبنان فيها مقعداً واحداً على الطاولة. هذه ليست مبالغة خطابية، بل وصف أمين لحال دولة باتت بنداً في أجندة الآخرين، لا فاعلاً مستقلاً في رسم مصيرها.
شرعية مبنية على المعادلات المعكوسة
منذ عقود، بنى الثنائي الشيعي، وتحديداً حزب الله، شرعيته على ثلاث ركائز: المقاومة في مواجهة إسرائيل، وحماية لبنان من الهيمنة الخارجية، ورفض الوصايات الأجنبية. وقد نجح هذا الخطاب لفترة طويلة في استقطاب قطاعات واسعة من اللبنانيين، لا سيما في المجتمعات الشيعية التي عانت تاريخياً من التهميش والإهمال، ووجدت في هذا المشروع وعداً بالكرامة والانتماء والقوة.
لكن الصورة التي نراها اليوم تعكس هذه الركائز بشكل صارخ. فالمقاومة التي كان يُفترض أن تُقوّي الدولة اللبنانية باتت محل تساؤل جدي حول ما إذا كانت قد أضعفت مؤسساتها، وأنهكت اقتصادها، وعزلتها دولياً. وحماية لبنان من الهيمنة الخارجية انتهت إلى ربطه بمنظومة إقليمية تقرر عنه ونيابة عنه. ورفض الوصاية الأجنبية اصطدم بحقيقة أن مستقبل لبنان يُناقَش اليوم في مفاوضات لا يحضرها لبنان.
ما الذي يبقى من الشرعية حين تنقلب كل وعودها على أعقابها؟
منذ عقود، بنى الثنائي الشيعي، وتحديداً حزب الله، شرعيته على ثلاث ركائز: المقاومة في مواجهة إسرائيل، وحماية لبنان من الهيمنة الخارجية، ورفض الوصايات الأجنبية.
لبنان على طاولة ليست طاولته
المشهد الأكثر كشفاً لطبيعة الأزمة هو ما يجري حالياً في مسار التفاوض الأميركي–الإيراني. لبنان حاضر في هذه المفاوضات، لكنه حاضر بوصفه ملفاً لا طرفاً. ورقة تُحرَّك لا يداً تُحرِّك. يُناقَش وضعه الأمني، ومستقبل سلاح حزب الله، وطبيعة الدور الإقليمي الذي سيُسمح له أو لا يُسمح له به، كل ذلك في غياب الدولة اللبنانية وغياب أي تمثيل حقيقي لشعبها.
والمفارقة التاريخية تبلغ حد المأساة: فالحزب الذي رفع لعقود شعار «لا لأوسلو» واتهم خصومه بالسير في ركب المشاريع الأجنبية، هو نفسه الذي يجد نفسه اليوم ينتظر نتائج مفاوضات تجريها دولة أجنبية نيابة عن مشروعه وعن مستقبله. الدائرة تكتمل بقسوة لا يمكن تجميلها بأي خطاب.
وليس هذا طارئاً أو مفاجأة. فمنذ سنوات، والقرار اللبناني يُختطف تدريجياً من مؤسساته الدستورية ليُودَع في غرف مغلقة تقررها حسابات طهران وواشنطن وتل أبيب وأنقرة وغيرها. فغياب رئيس للجمهورية لفترات مطولة، وشلل متكرر في البرلمان، وحكومات تصريف أعمال لا تحكم، كل ذلك ليس صدفة، بل نتاج منطقي لدولة تُدار من الخارج ويُنظَّم عليها من الداخل.
رياضيات الانتصار المختلفة
يحرص الثنائي دوماً على تقديم معادلة خاصة لقياس الانتصار: الصمود يساوي انتصاراً، والبقاء يساوي نصراً، وعدم الاستسلام الكامل يساوي إنجازاً تاريخياً. وبموجب هذه المعادلة، يمكن دائماً الاحتفال بأي نتيجة مهما بلغت التكلفة.
لكن اللبنانيين الذين دفعوا الثمن الأغلى باتوا يطرحون سؤالاً مختلفاً بالكلية: ماذا جنى لبنان؟
ماذا جنى من ذهب أبناؤه إلى معارك لم يختاروها في سوريا واليمن والعراق؟ ماذا جنى من تحوّل مرفأ بيروت إلى ركام بفعل انفجار لا تزال تداعياته غامضة، والمحاسبة عليه معلّقة؟ ماذا جنى من أُفقر وهُجِّر وحوصر بقرارات لم يشارك في صنعها؟ ماذا جنى من باتت العقوبات الدولية تُلقي بظلالها الثقيلة على اقتصاده اليومي؟
الأرقام لا تكذب. فلبنان الذي كان يُقارَن بسويسرا الشرق أصبح واحداً من أكثر دول العالم تردياً اقتصادياً. العملة الوطنية فقدت أكثر من تسعين في المئة من قيمتها. ومئات الآلاف من الكفاءات والشباب غادروا، ولا يزالون يغادرون. والبنية التحتية التي ضُربت في الحرب لم تُعَد إلا جزئياً وبإمكانيات شحيحة. بأي معيار يمكن تسمية هذا انتصاراً؟
احتفالات تخفي ما لا تستطيع تغييره
ثمة وظيفة سياسية واضحة لهذه الاحتفالات المتكررة: ملء الفراغ قبل أن يملأه الآخرون. فالثنائي يعلم أن النقاش العام حول التكلفة والجدوى بدأ يخترق حصونه التقليدية، وأن الأسئلة التي كانت تُطرح همساً باتت تُطرح بصوت أعلى، حتى في الأوساط الأكثر ولاءً. ولهذا يسارع إلى فرض رواية جاهزة قبل أن تتشكل رواية مغايرة.
الاحتفال، في هذا السياق، ليس تعبيراً عن ثقة بالنفس، بل محاولة لاستباق السؤال. وهذا الاستباق نفسه يكشف القلق الذي تحاول الاحتفالات إخفاءه.
لكن ما لا تستطيع الاحتفالات تغييره هو الواقع. ولا تستطيع الخطابات محو الأثر الذي تركته على البيوت والأسر والمدن والقرى. فالمناطق التي شهدت المعارك وعاشت القصف لم تستطع، حتى الآن، أن تعيد بناء ما هدمته الحرب. وأهلها لم يعودوا يسألون عن الانتصار، بل عن المياه والكهرباء والمدارس والوظائف، وعن الحد الأدنى من الحياة الكريمة الذي يفترض أن يكون حقاً لا منّة.
لبنان الذي كان يُقارَن بسويسرا الشرق أصبح واحداً من أكثر دول العالم تردياً اقتصادياً. العملة الوطنية فقدت أكثر من تسعين في المئة من قيمتها. ومئات الآلاف من الكفاءات والشباب غادروا
السيادة كلمة لا حالة
الكلمة التي يرددها الثنائي أكثر من أي كلمة أخرى هي «السيادة»: سيادة لبنان، وسيادة القرار الوطني، ورفض الإملاءات الخارجية. لكن السيادة ليست كلمة تُقال، بل حالة تُعاش. والحالة التي يعيشها لبنان اليوم هي النقيض الكامل لأي تعريف عقلاني للسيادة.
فالدولة ذات السيادة هي دولة تقرر حروبها وسلمها بنفسها. دولة تحتكر القرار العسكري وتتحكم في مفاصل أمنها. دولة يُناقَش مستقبلها في عواصمها ومؤسساتها، لا في مفاوضات لا صوت فيها لأبنائها. أما لبنان اليوم فلا يستوفي أياً من هذه الشروط، وهو يعلم ذلك، والثنائي يعلمه أيضاً.
المشكلة أن الإقرار بهذه الحقيقة يعني مواجهة سؤال أكبر: إذا كانت هذه هي النتيجة، فماذا كان المشروع؟ وإذا كان هذا هو الانتصار، فكيف تبدو الهزيمة؟
الوقائع لا تهتف
في نهاية المطاف، ثمة حكم واحد لا يرحم في السياسة: الوقائع. الوقائع لا تتأثر بالهتافات، ولا تتراجع أمام الأعلام، ولا تنسحب حين تُرفَع صور القادة. والوقائع التي يواجهها اللبنانيون اليوم تقول بوضوح إن المشروع الذي وُعدوا بأنه طريق إلى القوة أوصلهم إلى عزلة أعمق، وانقسام أحدّ، وحضور أضعف على خريطة القرار الإقليمي.
فالأمم لا تُقاس بعدد مهرجانات النصر التي تنظمها، بل بقدرتها على بناء دولة تحمي مواطنيها وتمثلهم وتقرر نيابة عنهم. وحين يجد بلد نفسه موضوعاً للتفاوض بين القوى الكبرى، لا طرفاً في هذا التفاوض، فإن الاحتفال لا يبدو تعبيراً عن قوة، بل عن حاجة ماسة إلى الهروب من حقيقة أكثر إيلاماً مما تحتمله أي خطابة.
اللبنانيون يسمعون الهتافات، لكنهم يعيشون الواقع. والفجوة بين الاثنين باتت أوسع من أن تسدها كل خطابات النصر في العالم.
فجوة الأمل الباقية هي انتظار الأسبوع المقبل، لنرى ماذا ستُنتج الجولة المقبلة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية برعاية الولايات المتحدة.

