لم تكن الكلمات السيادية الصارمة التي أطلقها رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون مجرد موقف بروتوكولي أو تصريح سياسي عابر يضاف إلى سجل الأدبيات الرسمية، بل كانت بمثابة زلزال سياسي وصدمة كهربائية في جسد الوطن النازف.
إنها صرخة الحق العارية التي طال انتظارها، وجاءت لتعبر عن مكنونات ومخاوف الغالبية الساحقة من الشعب اللبناني الذي سئم الموت المجاني والخراب العبثي. لقد رفع الرئيس الصوت من قصر بعبدا ليعلن للعالم أجمع، وبأعلى درجات الحسم، أن لبنان دولة حرة، مستقلة، وذات سيادة كاملة، وأن زمن تحويل هذا الوطن الصغير إلى منصة صواريخ تابعة للحرس الثوري الإيراني بأدوات لبنانية قد ولى إلى غير رجعة.
لقد شبع اللبنانيون من شعارات “الصمود والتصدي” التي صِيغت في عواصم أخرى ولم تجلب لهم سوى الفقر، والتشريد، والدمار الإنشائي والاقتصادي
تأتي هذه الانتفاضة السيادية الرسمية في لحظة تاريخية بالغة الخطورة؛ حيث يمر لبنان بواحدة من أقسى التحديات الأمنية والإنسانية في تاريخه الحديث، مع استمرار الغارات والدمار الذي يلتهم الحجر والبشر.
وفي خضم هذه المأساة، جاء كلام رئيس الجمهورية ليضع النقاط على الحروف ويفكك العقدة الأساسية للأزمة: ارتهان قرار الحرب والسلم لأجندات خارجية لا تقيم وزناً للمصلحة اللبنانية العليا. فالرئيس عون، ومن خلفه رئيس الحكومة نواف سلام، لم يعودا يقبلان بـ”التقية السياسية” التي دمرت البلاد، بل وجّها اتهاماً مباشراً وصريحاً إلى طهران، مفاده أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تستغل لبنان، وجنوبه تحديداً، كـ”ورقة تفاوضية” وساحة مقايضة رخيصة لتحسين شروط محادثاتها مع الولايات المتحدة الأميركية في البازار الإقليمي والدولي، سواء ما تعلق منها بملفها النووي أو بأصولها المالية المجمدة في الخارج.
حان الوقت ليدرك الجميع أن سيادة لبنان ليست وجهة نظر، وأن كرامة الدولة اللبنانية ورئيسها هي خط أحمر لا يمكن تجاوزه في البازارات الإقليمية
إن جوهر الصرخة الرئاسية يكمن في رفض المقاربة الإيرانية الفوقية للكيان اللبناني. فالرسالة التي وجهها الرئيس جوزيف عون إلى قادة طهران كانت واضحة ولا تحتمل التأويل: “هذا ليس بلدكم، إنه بلدنا.. وعملكم ليس التدخل في شؤوننا، فشعبنا هو الذي يُقتل، وبيوتنا هي التي تُدمر”.
هذا الموقف الشجاع يمثل إعلاناً صريحاً لبطلان أي تفويض خارجي أو داخلي غير شرعي يبيح مصادرة قرار الدولة. لقد أعاد الرئيس الاعتبار لمفهوم “الدولة المركزية الحصرية” التي تمسك وحدها بالقرارات السيادية، السياسية والعسكرية والتفاوضية، رافضاً بصلابة منطق “الدويلة” التي تنصب نفسها وصية على مصير العباد والبلاد نزولاً عند أوامر الحرس الثوري وفيلق القدس.
لقد عانى لبنان على مدى عقود من معضلة “الساحة المفتوحة”، وحوّلت الأدوات المحلية المرتبطة بالمشروع الإيراني هذا البلد، الذي كان مستشفى الشرق ومدرسته وجامعته، إلى قاعدة عسكرية متقدمة وصندوق بريد ناري تتبادل عبره طهران الرسائل مع خصومها وأعدائها. وعندما تقرر طهران فتح الجبهات، يدفع اللبنانيون الثمن من دمائهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم، وعندما تبحث طهران عن التهدئة لتحرير ملياراتها، يصبح السلاح أداة للمشاغبة لرفع أسعار الشروط في غرف المفاوضات المغلقة في إسلام أباد أو واشنطن.
لقد أعاد الرئيس الاعتبار لمفهوم “الدولة المركزية الحصرية” التي تمسك وحدها بالقرارات السيادية، السياسية والعسكرية والتفاوضية، رافضاً بصلابة منطق “الدويلة” التي تنصب نفسها وصية على مصير العباد والبلاد نزولاً عند أوامر الحرس الثوري وفيلق القدس
إن هذا النمط من الاستغلال والاستباحة هو ما دفع الدولة اللبنانية اليوم إلى الانتفاض، معلنة أن دماء المواطنين اللبنانيين في الجنوب والبقاع والضاحية وكل شبر من الوطن ليست وقوداً في محركات الدبلوماسية الإيرانية، وليست بطاقة بريدية يرسلها المفاوض الإيراني إلى العواصم الكبرى.
هذه الصرخة الرئاسية لم تعبر عن تطلعات النخب السياسية السيادية فحسب، بل تحولت إلى منصة تلاحم شعبي تجلت في بحر الردود والالتفاف الشعبي حول مواقف الرئاسة. فقد عكست النقاشات والسجالات الساخنة، التي تلت تصريحات الرئيس، وعياً لبنانياً متقدماً يرفض بشكل قاطع منطق الاستعلاء الذي تحاول أدوات طهران فرضه، حيث يزعم البعض أن فصيلاً مسلحاً واحداً يمثل “غالبية اللبنانيين”، بينما الحقائق الدامغة تؤكد أن غالبية الشعب اللبناني بمختلف طوائفه ومكوناته تلتف اليوم حول علم البلاد والجيش اللبناني والمؤسسات الشرعية، معتبرة أن رئيس الجمهورية هو الرمز الأوحد والجامع لكل لبناني حر وشريف.
إن التبجح والتهكم الدبلوماسي الذي مارسه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في رده على رئيس الجمهورية، لم يزد اللبنانيين إلا قناعة بصوابية الموقف السيادي؛ فعندما يحاول المسؤول الإيراني التقليل من حجم المأساة السيادية بادعاء أن بلاده لم تحتل لبنان، فإنه يتناسى عن عمد أن الاحتلال الحقيقي لا يكون دائماً بالجيوش النظامية، بل بمصادرة القرار الوطني وتحويل فصيل محلي مسلح إلى قوة تفوق قوة الجيش الشرعي، وتأتمر بأوامر “جنرالات فيلق القدس” مثل إسماعيل قاآني الذي يستبق ببياناته مواقف القيادات اللبنانية ليرفض مقترحات السلام والتهدئة، ويصف مشاريع الاتفاقات بـ”المخزية”، مفضلاً بقاء لبنان تحت لاهيب النيران طالما أن ذلك يخدم الحسابات الاستراتيجية لبلاده.
إن الأمن والاستقرار لا يمكن أن يصانا بزرع مخازن الأسلحة بين منازل المدنيين وتحويل القرى الوادعة إلى أهداف عسكرية، بل يُبنيان بالالتزام بمواثيق الأمم المتحدة وقوة الدولة القادرة والعادلة التي تحمي الجميع دون تمييز أو ارتهان
بناءً على ذلك، يضع رئيس الجمهورية اللبنانية البلاد أمام خيار استراتيجي وحيد لإنقاذ ما تبقى: العودة الفورية وغير المشروطة إلى مظلة الدولة والشرعية. لم يعد هناك متسع للمناورة أو القبول بصيغ “الجيش والشعب والمقاومة” الفضفاضة التي استخدمت غطاءً لتمرير أجندة السيطرة الإقليمية.
إن إنقاذ لبنان وتجنيب أهله وبيئته الحاضنة المزيد من الويلات والمآسي يفرض حتماً الانصياع لمنطق القانون والدستور وقرارات الشرعية الدولية، وعلى رأسها القرار 1701، وبسط سلطة الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي حصرياً على كامل التراب الوطني، وإقفال كافة المعابر والمنافذ السائبة التي تُستخدم لتهريب السلاح وتوجيه الأوامر العملياتية.
الجيش اللبناني، الذي قدم ويقدم قوافل الشهداء وضباطه الأبرار على مذبح الدفاع عن الوطن والسيادة، هو القوة الشرعية الوحيدة المخولة بحمل السلاح والدفاع عن حدود البلاد. والتفاف اللبنانيين حول قائد الجيش والقيادة العسكرية يمثل الركيزة الأساسية لقطع الطريق على مبررات العدوان الإسرائيلي المستمر، وسحب الذرائع التي تستخدمها تل أبيب لتدمير البنى التحتية وتهجير السكان.
إقرأ أيضا: مهمة سرية أم بروتوكول عسكري؟ لغز طائرة قائد الجيش في أجواء «عاصمة الوساطات» يثير عاصفة التكهنات بين بيروت وإسلام أباد
إن الأمن والاستقرار لا يمكن أن يصانا بزرع مخازن الأسلحة بين منازل المدنيين وتحويل القرى الوادعة إلى أهداف عسكرية، بل يُبنيان بالالتزام بمواثيق الأمم المتحدة وقوة الدولة القادرة والعادلة التي تحمي الجميع دون تمييز أو ارتهان.
لقد شبع اللبنانيون من شعارات “الصمود والتصدي” التي صِيغت في عواصم أخرى ولم تجلب لهم سوى الفقر، والتشريد، والدمار الإنشائي والاقتصادي. حان الوقت ليدرك الجميع أن سيادة لبنان ليست وجهة نظر، وأن كرامة الدولة اللبنانية ورئيسها هي خط أحمر لا يمكن تجاوزه في البازارات الإقليمية.
إن صرخة الرئيس جوزيف عون هي خارطة الطريق الإنقاذية الوحيدة المتبقية؛ خارطة تعيد لبنان إلى حضنه العربي والدولي كدولة سيدة، مستقلة، قوية بمؤسساتها وجيشها وشعبها، دولة تملك شجاعة اتخاذ قرار السلام والهدوء وحماية مواطنيها، وتضع حداً نهائياً لزمن التبعية والارتهان والاستغلال.

