صدر بالأمس بيان عن الرئيس نبيه بري تعليقاً على اتفاق وقف إطلاق النار، وذلك بعد حوالي 36 ساعة على إعلانه إثر جولة المفاوضات الرابعة في واشنطن بين لبنان وإسرائيل. هذا الاتفاق، الذي كان أول من رفضه وبطريقة غير لائقة إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس الإيراني، وذلك حتى قبل أن تعطي الأطراف اللبنانية المعنية رأيها به، ومن ثم تبعه أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم، لينضم إليهما لاحقاً الرئيس نبيه بري ببيانه الذي جاء في الاتجاه المعاكس لمواقف كل من رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام.
فقد أعلن الرئيس بري رفضه الاتفاق، معتبراً بأن «وقف إطلاق النار يجب أن يكون كاملاً وشاملاً دون قيد أو شرط براً وبحراً وجواً ودون تجريف أو هدم للبيوت»، كما لاحظ بأن إعلان وقف إطلاق النار «جرى تفخيخه بمناطق تجريبية من دون دخول أي جهات فاعلة»، قبل أن يعلن: «إني أوافق على انسحاب حزب الله من جنوب الليطاني بالتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي من المناطق المحتلة».
بين المثاليات السياسية وميزان القوى
في الواقع، لا يمكن لأي لبناني، مسؤولاً كان أم مواطناً عادياً، أن يعترض على كلام الرئيس بري بالمطلق، إذ لا يمكن لأي كان أن يرضى لبلده وسلطته أن توافق على تفاهم غير متكافئ أو ينتقص من سيادتها على أرضها. لكن الرئيس بري هو خير من يعرف بأن «وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا» كما يقول أمير الشعراء أحمد شوقي، وبأن الأمور المصيرية لا تؤخذ بالعواطف والشعارات الجميلة بل «عالسكين يا بطيخ» بحسب شعاره هو وممارسته السياسية الداخلية.
أعلن الرئيس بري رفضه الاتفاق، معتبراً بأن «وقف إطلاق النار يجب أن يكون كاملاً وشاملاً دون قيد أو شرط براً وبحراً وجواً ودون تجريف أو هدم للبيوت»
من هنا يأتي السؤال: هل الظروف التي يعيشها لبنان تحت ضغوط الحرب والدمار والنزوح، التي تسببت بها حرب «الثأر للمرشد والإسناد لإيران» التي أشعلها حزب الله، تسمح له بأن يكون الوضع أفضل مما كان في هذا الاتفاق «المقيت» والثقيل على قلب كل لبناني، والذي جاء للأسف ترجمة لموازين القوى في الميدان الذي لطالما تغنى وتوعّد قادة حزب الله به العدو الإسرائيلي؟
إذ إنه من أسهل الأمور اليوم، وأكثرها راحة للمرء، أن يهاجم الاتفاق، لكن الأصعب هو إيجاد البديل الملائم في ظل ظروف داخلية صعبة على كافة الصعد، وأخرى إقليمية ودولية ضاغطة على الحكم في لبنان من أجل تنفيذ القرارات الإقليمية والدولية المتخذة منذ سنين طويلة والخاصة بحصرية السلاح بيد الدولة، شأنها شأن كل الدول الطبيعية في العالم، والتي لم يُنفَّذ منها شيء، ما جعل العالم والإقليم يسأم من لبنان واللبنانيين.
الرئاسات الثلاث… تباعد في المقاربات
وقد يكون من سوء حظ لبنان واللبنانيين أن يتصادف بيان الرئيس بري مع أحاديث أخرى لكل من رئيس الجمهورية جوزيف عون مع قناة CNN الأميركية، ورئيس الحكومة نواف سلام من السراي الحكومي أثناء إطلاقه النداء الإنساني الثاني لمواجهة أعباء الحرب، إذ بدا وكأن الرئيس بري، ببيانه، يُغرِّد خارج سرب الدولة.
ففي حين رفض هو الاتفاق كما أسلفنا، قال الرئيس جوزيف عون في حديثه بأن «الاتفاق يمكن أن يكون طريقاً للمضي نحو سلام عادل ودائم»، بينما قال رئيس الحكومة نواف سلام متوجهاً إلى اللبنانيين: «بأننا لا نستطيع أن نكتفي بوصف المأساة، ولا بأن نحصي الضحايا، ولا بأن ننتظر أن تتعب المدافع من تلقاء نفسها، ولذلك اخترنا طريق التفاوض لأنه الخيار الأقل كلفة على لبنان وأهله، ونجحنا في الوصول إلى تفاهم لتأمين عودتكم الكريمة والآمنة إلى أرضكم، وهي في صلب مسؤوليتنا وأولوياتنا، فمأساتكم هي مأساتنا».
من أسهل الأمور اليوم، وأكثرها راحة للمرء، أن يهاجم الاتفاق، لكن الأصعب هو إيجاد البديل الملائم في ظل ظروف داخلية صعبة على كافة الصعد
هل لا يزال الرهان على إيران؟
وهكذا بدا واضحاً بأن الرئاستين الأولى والثالثة في مكان، والرئاسة الثانية بما تُمثله سياسياً وطائفياً في مكان آخر، خاصة وأن بيان الرئيس بري جاء بعد مشاورات أجراها مساعده السياسي علي حسن خليل في قطر، وذلك على ما جاء في المعلومات، بشكل يطرح سؤالاً مهماً هو: على ماذا يراهن الرئيس نبيه بري في موقفه هذا؟
فهل لا يزال رهانه على إيران وتعهداتها له بأن لبنان سيكون من ضمن أي اتفاق أميركي ـ إيراني، خاصة بعد تهديداتها الأخيرة بخصوص ضرب إسرائيل إذا ما قُصفت الضاحية الجنوبية لبيروت؟
إذا كان الأمر كذلك، فهل إيران قادرة، في ظل ظروفها الحالية، على الإيفاء بتعهداتها؟ وهل هي في وضع يسمح لها بإضافة عبء لبنان إلى أعبائها في محادثاتها مع أميركا، والتي تتضمن بند مضيق هرمز والحصار البحري للموانئ الإيرانية، إضافة إلى الملف النووي والعقوبات والأموال المجمّدة وبرنامجها الصاروخي وسياساتها الإقليمية؟
السلاح والتفاوض… العقدة الأساسية
فالواقعية السياسية تقول بأن أقصى ما يمكن لإيران أن تفعله للبنان، مقابل استعماله كورقة تفاوض مع الأميركيين كما قال الرئيس عون، هو ربما تحقيق وقف شامل لإطلاق النار في حال تم التفاهم مع أميركا، ولكن ماذا عن الأراضي اللبنانية المحتلة والانسحاب الإسرائيلي وعودة النازحين واستعادة الأسرى وإعادة الإعمار، وهي كلها قضايا لا يمكن حلها بمعزل عن الحكومة اللبنانية ومن دون مفاوضات ما بين لبنان وإسرائيل بغض النظر عن شكل هذه المفاوضات ومكانها؟
أما قول الرئيس بري بأنه يؤيد انسحاب حزب الله من جنوب الليطاني مقابل الانسحاب الإسرائيلي، فلا أظن بأن العدو ومن ورائه أميركا سوف يأخذان مجدداً بهذا الكلام، لأنه سبق وقيل مثله في السابق وتم التملص منه مع الأسف.
من هنا بات لزاماً على لبنان، وفي المقدمة منه الرئيس بري، الخروج من هذه الأساليب والذهاب مباشرة إلى صلب الموضوع، وهو أقله أن يعلن حزب الله صراحة بأن سلاحه سيكون بتصرف الدولة اللبنانية مقابل الانسحاب الإسرائيلي الشامل والكامل من الأراضي اللبنانية بحسب اتفاقية الهدنة، ليكون هذا الإعلان ورقة قوة بيد المفاوض اللبناني تعينه على مواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية بدلاً من الرهان الدائم على مسار إسلام آباد، الذي هو أشمل وأكبر من لبنان وقدرته على التحمل.
قول الرئيس بري بأنه يؤيد انسحاب حزب الله من جنوب الليطاني مقابل الانسحاب الإسرائيلي، فلا أظن بأن العدو ومن ورائه أميركا سوف يأخذان مجدداً بهذا الكلام، لأنه سبق وقيل مثله في السابق وتم التملص منه مع الأسف
بين مسار واشنطن ومسار إسلام آباد
فالوقت ينفد، ولم يعد لدينا للأسف ترف المناورة، وما نرفضه اليوم قد نضطر للقبول بأسوأ منه غداً، وهو ما أثبتته التطورات.
فهل هناك من لديه شجاعة الإقدام؟ وأي المسارين سيتقدَّم: مسار واشنطن الذي يسير به الحكم والحكومة في لبنان، أم مسار إسلام آباد الذي يتمسك به «الثنائي الشيعي» بديلاً عن المفاوضات المباشرة؟
وحدها الأيام والتطورات المقبلة قد تجيب على هذه الأسئلة وتفكك هذه الألغاز والألغام.

