تعيش الساحة اللبنانية على صفيح ساخن تحت وطأة خروقات ميدانية عاصفة وتصعيد عسكري متسارع، كسر الهدوء الهش وأطاح بمفاعيل تفاهمات التهدئة السابقة.
وفي آخر تحديث للبيانات الرسمية، أعلن مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة أن الحصيلة التراكمية الإجمالية للعدوان الإسرائيلي المستمر منذ انطلاقه في 2 آذار وحتى اليوم الثلاثاء 2 حزيران 2026، قد ارتفعت لتسجل 3468 شهيداً و10577 جريحاً من المدنيين والمقاومين، وسط موجات نزوح قسري متتالية تجاوزت عتبة 1.2 مليون نازح داخل الأراضي اللبنانية.
خطوط بيروت الحمراء.. ترامب يتدخل والاحتلال يهدد بمعادلة الردع
جاءت هذه التطورات الميدانية بعد ساعات قليلة من كواليس دبلوماسية ساخنة؛ إذ كشفت مصادر مطلعة عن تدخل مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي طالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالامتناع عن مهاجمة العاصمة بيروت لتفادي انزلاق الحرب الإقليمية (المستمرة منذ ثلاثة أشهر) نحو انفجار شامل.
وعلى وقع هذا التدخل، أعلنت الحكومة اللبنانية أن تل أبيب ستمتنع عن ضرب الضاحية الجنوبية لبيروت، مقابل تجميد حزب الله لضرباته العمق الإسرائيلي. إلا أن هذا التفاهم لم ينجح في تبديد مناخات الذعر؛ إذ استمرت الطائرات المسيرة الإسرائيلية بالتحليق المكثف فوق أجواء العاصمة، في وقت رفع فيه وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، من سقف التهديد واضعاً معادلة جديدة:
“إما أن تتوقف الهجمات على المجتمعات والبلدات الإسرائيلية في الشمال تماماً، أو أننا سنطلب إجلاء السكان ونوجه ضربات قاسية ومدمرة للضاحية الجنوبية في بيروت.. والأيام المقبلة ستكشف ببساطة نجاح هذه السياسة”.
النبطية تحت النار.. غارات وقصف بري وأوامر إخلاء قسرية
ميدانياً، تركز ثقل الآلة العسكرية الإسرائيلية اليوم الثلاثاء في عمق الجنوب؛ حيث شن الطيران الحربي سلسلة غارات جوية عنيفة ومتزامنة استهدفت بلدات زفتا، الشرقية، حاروف، وخراج بلدة العدوسية. ترافق ذلك مع قصف مدفعي مركز طال بقعاً واسعة، وسط إصدار جيش الاحتلال أوامر عاجلة تطلب من سكان مدينة النبطية مغادرتها فوراً تمهيداً لاجتياحها أو استهدافها بموجات تدميرية جديدة، مما عمّق المأساة الإنسانية ودفع بعائلات كثيرة (كحالة المواطنة فاتن الشهيم التي فرت من الضاحية مجدداً) إلى العودة العكسية لمراكز الإيواء المكتظة بوسط بيروت.
عمليات نوعية لحزب الله.. إسقاط آليات وتفجير عبوات في حدّاثا وزوطر
وعلى جبهة التصدي الميداني، كسر حزب الله صمته العسكري معلناً في بيانات رسمية متلاحقة خوض مجموعاته مواجهات ضارية رداً على ما وصفه بـ «الخرق الإسرائيلي الفاضح والمستمر لوقف إطلاق النار والاعتداء على القرى والمدنيين». وتمثلت أبرز العمليات الدفاعية في الآتي:
- محرقة المسيرات في زوطر الشرقية: استهدف مجاهدو المقاومة الإسلامية عبر هجومين منفصلين (عند الساعة 07:40 والساعة 08:10 صباح الثلاثاء) آليتين عسكريتين من نوع «نميرا» تابعتين لجيش الاحتلال في الأطراف الجنوبية الشرقية لبلدة زوطر الشرقية، بواسطة محلقات «أبابيل» الانقضاضية، مؤكدين إصابتهما بشكل مباشر ورؤيتهما تحترقان بالكامل بالعين المجردة.
- كمين العبوات الناسفة في حدّاثا: خاض مقاتلو الحزب مواجهة بطولية استمرت من الساعة 10:00 ليل الإثنين وحتى الـ 3:00 من فجر الثلاثاء، استهدفوا خلالها تجمعات العدو في مناطق (البالوع، القناطر، والملعب) داخل بلدة حدّاثا بصليات صاروخية وقذائف مدفعية ثقيلة على دفعات، مما أجبر القوة الإسرائيلية المتقدمة على وقف توغلها والانسحاب. وأثناء التراجع، فجّر المقاتلون عبوة ناسفة ضخمة بآلية عسكرية، مما دفع طيران الاحتلال لتنفيذ حزام ناري وقصف مدفعي جنوني لتغطية سحب الخسائر باتجاه بلدة رشاف.
إيران ترفع الرهان بالتدخل المباشر.. ومساعٍ لبنانية لتوسيع الهدنة
إقليمياً ودبلوماسياً، اتخذ المشهد طابعاً أكثر خطورة بعد قرار طهران إيقاف المحادثات والمفاوضات غير المباشرة التي كانت تجريها مع واشنطن (عبر الوسيط الباكستاني) احتجاجاً على التصعيد في لبنان. وفي موقف حاسم، كشف كبير المفاوضين الإيرانيين ورئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، أنه أبلغ رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري برسالة واضحة:
“لن نكتفي بوقف مسار المفاوضات فحسب، بل سندخل في مواجهة مباشرة وعسكرية مع العدو إذا استمر العدوان الإسرائيلي على لبنان، وتجاوز حدوده المرسومة نحو بيروت”.
وفي المقابل، أعلنت الحكومة اللبنانية عزمها استغلال المفاوضات المباشرة المرتقبة بمستوى السفراء في واشنطن غداً الأربعاء للسعي نحو “توسيع نطاق وقف إطلاق النار” وتثبيته بضمانات دولية ملزمة.
أما على مقلب حزب الله، فقد بدا الموقف حذراً؛ حيث صرح مسؤول العلاقات الإعلامية في الحزب، يوسف الزين، بأن المقاومة لن تعلن أي موقف سياسي أو تلتزم بتهدئة دون وجود إعلان رسمي واتفاق دولي ملزم يُجبر إسرائيل على وقف شامل ونهائي للأعمال العدائية في كل شبر من الأراضي اللبنانية، مذكراً بـ «التاريخ الطويل من الخروقات الإسرائيلية» التي تلت هدنة عام 2024 وهدنة 16 نيسان الفائت، مؤكداً أن الميدان والقنوات الدبلوماسية الرسمية هما الحَكَم في الأيام المقبلة.

