مبنى الكرّيت في صور: حين تستهدف إسرائيل ذاكرة المكان

لا يمكن الوقوف عند استهداف مدينة صور ليل أمس، وتحديدًا مبنى الكرّيت الذي هدّده العدو الإسرائيلي ونسفه بصاروخين أطلقا من طائرة حربيّة بعد ساعتين، بوصفه مجرّد اعتداء خلّف أضرارًا ماديّة وخرابًا عمرانيًّا.
فالحديث هنا يتجاوز الأبنية والجدران، إلى لحظة تاريخيّة وتراثيّة جرى استهدافها عمدًا؛ مبنى يعود إلى منتصف القرن العشرين، طبعت من خلاله عائلة الكرّيت هويّتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة في المدينة.

من عمارة عائليّة إلى معلم اجتماعي

شيّد أبو حسن كرّيت هذه العمارة الموسومة باسم العائلة عام 1962، ثم ظهر بعدها “معمل الكرّيت للبوظة”، الذي تحوّل منذ انطلاق مكيناته إلى مصدر رزق للتجّار الصغار ومحدودي الدخل، الذين كانوا يقصدونه لشراء حاجاتهم من المواد المستخدمة في بيع البوظة خلال فصلي الربيع والصيف في صور وضواحيها.

لم تمارس عائلة الكرّيت أي نشاط سياسي أو عسكري أو إعلامي اصطفافي، بل حافظت دائمًا على مسافة واحدة من الجميع، وكانت علاقتها قائمة على التواصل والانفتاح مع مختلف الطوائف والأديان والمذاهب.

مبنى الكرّيت في مدينة صور قبل استهدافه

الرواية الإسرائيليّة والواقع الميداني

برّرت إسرائيل استهداف المبنى بذريعة وجود “أنشطة لحزب الله”، لكنّ الوقائع حتى اللحظة تبدو مغايرة للرواية الإسرائيليّة العدائيّة.
فهذا المبنى، العريق عمرانيًّا والأصيل هويّاتيًّا، كان آخر إشارة صامدة في حيّ نُسف نحو 95% من منشآته ومبانيه، ما أدّى إلى تضرّر أكثر من 62 مدنيًّا وسقوط شهداء وعدد من الجرحى.

الحديث هنا يتجاوز الأبنية والجدران، إلى لحظة تاريخيّة وتراثيّة جرى استهدافها عمدًا؛ مبنى يعود إلى منتصف القرن العشرين، طبعت من خلاله عائلة الكرّيت هويّتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة في المدينة.

ذاكرة شخصية لمدينة تتلاشى

على الصعيد الشخصي، وكصوريّ عاش أكثر من ربع قرن في المدينة، كان مبنى الكرّيت بالنسبة إليّ نقطة لقاء دائمة مع أشخاص أعرفهم، وجزءًا من شريان مدنيّ يوميّ أعبره كلّما أردت تبديل إيقاع يومي أو تغيير طريق العودة هربًا من قلقٍ ما.

ولن أبالغ في وصف “البوظة”، لأنّ بصمة أصحابها تكفي لتعريفها.
كلّ المباني التي كانت تسبق هذا المبنى أو تتاخمه أصبحت اليوم جزءًا من الماضي. وأنا المنفيّ من صور، لا أستطيع الحديث عنها كأنّها اندثرت تمامًا، لأنّ المشكلة تكمن في ذاكرة لا تستطيع التخلّي عن التفاصيل أو محوها؛ من دكّان خليل حجازي عند مدخل الحيّ، وصولًا إلى مبنى الكرّيت الذي شيّعناه أمس في دواخلنا، ولم يبقَ منه سوى ببغاء يعود لأحد شبّان العائلة، صامدًا وسط غبار الكيد الإسرائيلي.

المبنى بعد تدميره

حرب على الهويّة لا على السلاح فقط

لا تريد إسرائيل فقط القضاء على حزب الله أو نزع سلاحه، بل تسعى أيضًا إلى تغيير هويّة الأمكنة نفسها؛ من نسف مبنى آل الزين في كفررمان، مرورًا بمنزل عبد الحميد غندور في النبطيّة، وصولًا إلى مبنى الكرّيت في صور.

المسار واحد: حرب على الهويّة والذاكرة، حرب يخوضها من لا يملك إرثًا مع بلدٍ صاخب بتاريخه العمراني والثقافي والسياسي.

كلّ المباني التي كانت تسبق هذا المبنى أو تتاخمه أصبحت اليوم جزءًا من الماضي. وأنا المنفيّ من صور، لا أستطيع الحديث عنها كأنّها اندثرت تمامًا، لأنّ المشكلة تكمن في ذاكرة لا تستطيع التخلّي عن التفاصيل أو محوها؛

جرح الذاكرة الجماعيّة

لا يملك أبناء صور وأهالي جبل عامل اليوم سوى الاستناد إلى عبارة السيّدة فيروز:
“ضلّ تذكّرني واتذكّر طريق النحل”،
في محاولة لتخفيف ألم جرح سيبقى، طويلًا، كوشمٍ مريض على سفوح ذاكرتهم الجماعيّة.

السابق
مضيق هرمز في قلب المواجهة… قطر تحذّر إيران!
التالي
«قضاء النبطية تحت مقصلة التهجير».. الاحتلال ينذر سكان 10 بلدات بالإخلاء الفوري والابتعاد 1000 متر