ما يجري اليوم على الأرض اللبنانية يتجاوز مجرد مواجهة عسكرية بين إسرائيل وحزب الله. فالحرب كشفت أزمة أعمق عمرها عقود، لبنان لم يعد يملك دولة فعلية تحتكر القرار السيادي، بل سلطة طائفية متشابكة مع قوة عسكرية – أمنية مرتبطة بالمشروع الإيراني الإقليمي.
هنا يختلط مفهوم الدولة بالسلطة، والسيادة بالنفوذ، والوطن بالساحة. فالدولة اللبنانية التي يفترض أن تكون المرجعية العليا لجميع اللبنانيين، تحولت تدريجياً إلى هيكل هش تتقاسمه الطوائف ومراكز القوة، فيما نشأت داخلها “دولة عميقة” تمتلك القرار الاستراتيجي الفعلي، من الحرب والسلم إلى رسم موقع لبنان في صراعات المنطقة. ويُظهر هذا الخلط أن أزمة لبنان ليست إدارية أو تقنية، بل أزمة تعريف للدولة نفسها.
ولهذا لا يبدو لبنان مجرد بلد يعاني أزمة حكم أو فساد أو انهيار اقتصادي، بل كياناً فقد تدريجياً معنى الدولة نفسه. ومن هنا يصبح السؤال الأساسي، كيف انتقل لبنان من مشروع دولة بعد الاستقلال إلى ساحة مفتوحة للحروب الإقليمية؟
الدولة ليست السلطة
في الدول الحديثة، الدولة هي المؤسسات الدائمة: الجيش، القضاء، الإدارة، القانون والسيادة. أما السلطة فهي القوى السياسية التي تدير هذه الدولة لفترة مؤقتة. ويقود هذا التمييز في التجارب الحديثة إلى استقرار نسبي، حيث تتغير الحكومات بينما تبقى الدولة فوق الجميع.
قد تسقط حكومة أو ينهار حزب، لكن الدولة تبقى. المواطن يحتكم إلى المؤسسات لا إلى الزعيم، ويحتمي بالقانون لا بالطائفة.
في لبنان حدث العكس تقريباً. فالسلطة لم تُدِر الدولة فقط، بل ابتلعتها تدريجياً. تحولت الوزارات إلى مزارع طائفية، والإدارات إلى شبكات زبائنية، والخدمات العامة إلى أدوات ولاء سياسي وطائفي.
ومع الوقت، لم يعد المواطن يرى الدولة كمؤسسة محايدة، بل كامتداد للطائفة أو الحزب الذي يؤمن له الوظيفة والاستشفاء والحماية. حتى الحقوق الأساسية لم تعد تُنتزع بوصفها حقوق مواطنة، بل تُمنح عبر الوساطة والولاء.
وهنا بدأ الانهيار الحقيقي: عندما صار اللبناني يشعر أن حصته في السلطة هي حصته في الدولة نفسها. ولهذا أيضاً يتحول أي تغيير سياسي إلى صراع وجودي بين الطوائف، لا تنافساً طبيعياً داخل دولة حديثة.
جذور الأزمة أقدم من الجمهورية
هذا الخلل لا يعود فقط إلى الطبقة السياسية الحالية، بل إلى تكوين لبنان التاريخي نفسه. فالانتقال من العهد العثماني إلى الانتداب الفرنسي لم يُنتج قطيعة مؤسساتية حقيقية، بل أعاد إنتاج البنية الاجتماعية نفسها بأدوات إدارية حديثة.
في العهد العثماني، لم يتطور جبل لبنان ضمن نموذج الدولة المركزية الحديثة، بل ضمن نظام قائم على الزعامات المحلية والطوائف والامتيازات. وحتى نظام المتصرفية بعد 1861 قام عملياً على إدارة التوازنات الطائفية أكثر من بناء مواطنة متساوية.
وعندما أسس الفرنسيون “دولة لبنان الكبير” عام 1920، أنشأوا مؤسسات حديثة شكلياً: رئاسة وبرلمان وإدارة وجيش. لكن الولاءات الفعلية بقيت للطوائف والزعامات التقليدية، ولم تتحول إلى ولاء وطني جامع.
ومنذ البداية ظهرت المشكلة البنيوية: مؤسسات حديثة فوق مجتمع لم يتحول فعلياً إلى مجتمع سياسي موحد، بل بقيت الهويات الأولية أقوى من فكرة الدولة.
السلطة لم تُدِر الدولة فقط، بل ابتلعتها تدريجياً. تحولت الوزارات إلى مزارع طائفية، والإدارات إلى شبكات زبائنية، والخدمات العامة إلى أدوات ولاء سياسي وطائفي.
الميثاق الوطني: تسوية أنقذت الكيان ورسخت الأزمة
عند الاستقلال عام 1943، اختار اللبنانيون صيغة “الميثاق الوطني” كحل للتوازن بين المسلمين والمسيحيين. نجحت التسوية في حماية الكيان الوليد ومنع الانفجار الداخلي، لكنها كرست منطق المحاصصة الطائفية.
رئاسة الجمهورية للموارنة، رئاسة الحكومة للسنة، رئاسة البرلمان للشيعة، ثم توسعت المحاصصة إلى الإدارة والجيش والقضاء ومؤسسات الدولة كلها. وبذلك أصبح توزيع السلطة هو الشكل الأساسي لتوزيع الدولة نفسها.
صحيح أن هذه الصيغة وفرت استقراراً نسبياً، لكنها رسخت فكرة أن الطوائف هي المالكة الفعلية للدولة. ومنذ ذلك الوقت، صار أي تعديل سياسي يُنظر إليه كتهديد وجودي لطائفة كاملة، لا كخلاف طبيعي داخل دولة حديثة.
الشهابية: محاولة الدولة القصيرة
عرف لبنان لاحقاً لحظة استثنائية قصيرة مع الرئيس فؤاد شهاب بعد أزمة 1958. فقد سعت الشهابية إلى تقوية الإدارة والجيش والمؤسسات الرقابية، وتوسيع حضور الدولة في المناطق المهمشة، مع اعتماد نوع من التحييد النسبي عن صراعات المنطقة.
خلال تلك المرحلة، اقترب لبنان من نموذج الدولة الحديثة، واكتسب صورة “سويسرا الشرق”. لكن التجربة لم تعمر طويلاً. فالنظام الطائفي كان أقوى من مشروع الدولة، والمنطقة كانت تتجه نحو انفجارات كبرى مع تصاعد الصراع العربي – الإسرائيلي والعمل الفدائي الفلسطيني. وكان الاقتصاد اللبناني نفسه يقوم على توازن هش بين الريع والتجارة والانفتاح المالي، ما جعل مشروع الدولة أكثر عرضة للاهتزاز.
وبسقوط الشهابية، خسر لبنان آخر محاولة جدية لبناء دولة قبل الانهيار الكبير، ودخل مرحلة التآكل التدريجي بدل البناء المؤسسي.
الحرب الأهلية: سقوط الدولة وصعود السلطات البديلة
الحرب الأهلية لم تخلق الأزمة، بل كشفت هشاشة الدولة بالكامل.
فعندما ضعفت الدولة المركزية عام 1975، عاد اللبنانيون سريعاً إلى الطائفة والميليشيا والمنطقة. ظهرت سلطات موازية تمتلك جيوشاً وأجهزة أمن ومحاكم واقتصادات خاصة بها.
للمرة الأولى، فقدت الدولة احتكارها للعنف والسيادة، وهو التعريف الأساسي لانهيار الدولة في العلوم السياسية.
وبعد انتهاء الحرب، لم يُعَد بناء الدولة فعلاً، بل جرى دمج أمراء الحرب أنفسهم داخل النظام الجديد. وهنا كانت الكارثة الكبرى: بدل تفكيك منطق الميليشيا، جرى تحويله إلى جزء دائم من الحكم، ما أعاد إنتاج منطق الحرب داخل الدولة بدل إنهائه.
الطائف: إعادة إعمار السلطة لا الدولة
أنهى اتفاق الطائف الحرب، لكنه لم يبنِ دولة حديثة بالمعنى الفعلي. ما حدث عملياً كان إعادة توزيع السلطة بين الطوائف برعاية سورية، من دون معالجة سؤال السيادة أو احتكار الدولة للعنف المشروع.
وخلال مرحلة الوصاية السورية، تحولت الدولة أكثر فأكثر إلى شبكة مصالح أمنية وسياسية ومالية، فيما توسع الاقتصاد الريعي القائم على الدين العام والمحاصصة والزبائنية، بدل بناء اقتصاد إنتاجي مستقر.
بالتوازي، كان حزب الله يبني نموذجاً مختلفاً داخل الدولة نفسها، تنظيم عسكري – أمني – اجتماعي يمتلك استقلالية فعلية عن مؤسسات الدولة، ويستند إلى مشروع إقليمي مرتبط بإيران.
في البداية جرى تبرير هذا الواقع تحت عنوان “المقاومة”، لكن دور الحزب توسع تدريجياً من مواجهة إسرائيل إلى امتلاك تأثير مباشر على القرار الداخلي اللبناني، بما في ذلك قضايا الحرب والسلم.
وهنا دخل لبنان مرحلة جديدة: لم تعد المشكلة فقط أن السلطة الطائفية تسيطر على الدولة، بل أن داخل الدولة نفسها قوة تمتلك قراراً استراتيجياً يفوق مؤسساتها الرسمية، ما عمّق أزمة السيادة.
في العهد الشهابي اقترب لبنان من نموذج الدولة الحديثة، واكتسب صورة “سويسرا الشرق”. لكن التجربة لم تعمر طويلاً. فالنظام الطائفي كان أقوى من مشروع الدولة
من تشرين إلى الانهيار
شكّلت انتفاضة 17 تشرين 2019 لحظة نادرة شعر فيها اللبنانيون أنهم يستعيدون فكرة الدولة من الطوائف. للمرة الأولى منذ عقود، خرج الناس ضد المنظومة كلها، لا ضد خصم طائفي محدد.
لكن الانتفاضة أُجهضت سريعاً. تعاملت المنظومة معها كتهديد وجودي، فيما تولى حزب الله عملياً قيادة عملية احتوائها وتفكيكها، سياسياً وأمنياً.
وفي الوقت نفسه، كشف الانهيار المالي حقيقة النظام اللبناني بالكامل: دولة بلا مناعة، واقتصاد قائم على الديون، ومؤسسات عاجزة عن حماية المجتمع.
انهارت المصارف والعملة والخدمات العامة، فيما استمرت الطبقة السياسية في إدارة الانهيار بمنطق حماية النفوذ لا حماية الدولة.
من الدولة إلى الساحة
الحرب الحالية كشفت هذا الواقع بصورة غير مسبوقة. فلبنان يجد نفسه مرة جديدة داخل مواجهة إقليمية كبرى بين إسرائيل وإيران، فيما تبدو الدولة الرسمية شبه غائبة عن قرار الحرب أو عن القدرة على منعها.
وهنا يتحول السؤال اللبناني إلى سؤال وجودي: هل لبنان دولة فعلية تملك سيادتها، أم مجرد ساحة تتصارع فوقها المشاريع الإقليمية؟
المأساة اللبنانية اليوم ليست فقط أزمة حكم أو فساد أو انهيار اقتصادي، بل انهيار فكرة الدولة نفسها. فاللبناني الذي فقد مدخراته ووظيفته وأمنه الاجتماعي، لم يعد يشعر أن هناك دولة تحميه.
وعلى مدى عقود، تحولت الدولة إلى غطاء للسلطة، ثم تحولت السلطة نفسها إلى جزء من صراعات المنطقة. ومع كل حرب وأزمة وتسوية، كان لبنان يخسر جزءاً إضافياً من سيادته ومن معنى وجوده السياسي.
وربما يمكن اختصار القصة كلها بجملة واحدة: لبنان لم يسقط دفعة واحدة، بل انتقل تدريجياً من دولة ضعيفة إلى ساحة مفتوحة.
ورغم هذا الانهيار الطويل، تبقى حقيقة واحدة: لا يمكن لأي جماعة، مهما بلغت قوتها، أن تبني وطناً مستقراً خارج الدولة. فالدولة ليست مجرد تفصيل إداري، بل الإطار الوحيد القادر على حماية لبنان وضمان بقائه.

