منذ بداية الجولة الجديدة من الحرب، ليلة الثاني من آذار الماضي، عندما أطلق حزب الله “صواريخه” الستة على إسرائيل ثأراً للمرشد الإيراني، صاحب الصواريخ الحقيقي، والجنوبيون ينظرون إلى الرئيس نبيه بري وينتظرون منه موقفاً من هذه الحرب، التي عمّقت النكبة الناتجة عن حرب الإسناد لغزة، التي كان قد أطلقها أيضاً حزب الله في الثامن من تشرين الأول عام 2023، والتي فاوض الرئيس بري على وقفها بعد أن توسّعت رقعتها، في اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني 2024، وحصد يومها لقب “الأخ الأكبر”.
هذه المرة كان واضحاً، ومنذ البداية، أن الرئيس بري – الذي لم يُعامل هنا كأخ أكبر – لم يكن راضياً عمّا حصل في “ليلة الثأر للمرشد”، إن لم نقل غاضباً من فتح الجبهة وتهجير الناس في منتصف الليل، وهو ما تُرجم بتصويت الوزراء المحسوبين عليه في الحكومة على قراراتها باعتبار أنشطة الحزب العسكرية والأمنية على الأراضي اللبنانية غير شرعية، بالرغم من عدم إعلانه هذا الغضب على الملأ، حفظاً – ربما – لخط الرجعة مع حزب الله، وحفاظاً على ما تبقّى من ودّ وتحالف معه، يقي لبنان عامة والشيعة خاصة شرّ الشقاق والتقاتل الداخلي.
إمساك العصا من الوسط
إلا أن البعض لاحظ بأن موقف الرئيس بري بدأ، مع الوقت، بالتحول تدريجياً باتجاه محاولة إمساك العصا من الوسط بين موقفي الدولة والحزب، تزامناً مع “صمود” النظام الإيراني ودخول وقف إطلاق النار بينه وبين كل من أميركا وإسرائيل حيّز التنفيذ، وكذلك مع بداية المفاوضات المباشرة في واشنطن بين لبنان وإسرائيل، وهي المفاوضات التي تتم هذه المرة عبر قناة رئيس الجمهورية، وليس قناته هو كما كان الحال في العام 2024، بحيث بدا وكأنه يتقصّد النأي بنفسه عن مواقف الرئاستين الأولى والثالثة في هذا المجال.
هذا التحوّل بدأت معالمه بالظهور بدايةً، بتأجيل اجتماع الرؤساء الثلاثة في بعبدا، والسجال الذي حصل بعدها بين الرئاستين الأولى والثانية، على خلفية قول الرئيس جوزيف عون إنه ينسّق في موضوع المفاوضات مع الرئيس بري، وهو ما اعتبرته أوساط الأخير “غير دقيق كي لا نقول أكثر”، ما أدى إلى شبه قطيعة بين بعبدا وعين التينة، بعد أن كان الرئيس بري قد أبدى في البداية “اطمئنانه” التام للوضع بوجود الرئيس جوزيف عون.
البعض لاحظ بأن موقف الرئيس بري بدأ، مع الوقت، بالتحول تدريجياً باتجاه محاولة إمساك العصا من الوسط بين موقفي الدولة والحزب، تزامناً مع “صمود” النظام الإيراني
بين الحرب والمفاوضات
اليوم، ومع تأرجح الوضع بين نصف هدنة افتراضية ناتجة عن المفاوضات، وحرب كاملة حقيقية تفرضها وقائع الميدان، يرى بعض المراقبين بأن الرئيس نبيه بري يجد نفسه عالقاً بين مطرقة الحرب وسندان المفاوضات، ما يجعل موقفه أقرب – نسبياً – إلى صفة المراقب منه إلى المشارك مباشرة في الأحداث، باستثناء بعض التصريحات التي تبدو كالاستثناء الذي يؤكد القاعدة.
فهو، من ناحية، يعارض المفاوضات المباشرة التي تخوضها الدولة من دون أن يحاربها أو يحاول منعها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى عدم رضاه عن الحرب التي يخوضها حزب الله، من دون أن يُشهر هذا عدم الرضى، وكأنه يقول لكل من الرئيس جوزيف عون والشيخ نعيم قاسم: اذهبا أنتما وحكومتك وحزبك ففاوضا وقاتلا، فإنّا ها هنا قاعدون.
“أعطوني وقف إطلاق النار والباقي عليّ”
وذلك – كما يرى بعض هؤلاء المراقبين – على قاعدة ما يُنسب للخليفة هارون الرشيد، عندما كان ينظر إلى سحابة تتحرك في السماء فقال لها: “أمطري حيث شئت فإن خراجك لي”، بمعنى أن المفاوضات، سواء نجحت أم فشلت، وكذلك نتائج الميدان، فلا بد أن تمر في النهاية من عند الرئيس بري، باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الدولة أولاً، ولحيثيته الشيعية كأحد أطراف الثنائي، وعلاقته واتصالاته بالجانب الإيراني ثانياً، وموقعه الوطني الذي يجعل منه جسراً للتواصل بين الحزب وبقية الأطراف اللبنانية الأخرى، بعد أن أحرق هذا الأخير كل جسوره معها ثالثاً، ما يجعله ممراً إجبارياً لأي حل أو تسوية، بغض النظر عن مخرجات هذه التسوية.
وهو ما قد يكون ألمح إليه مؤخراً عندما صرّح بأن “أعطوني وقف إطلاق النار والباقي عليّ”، كما قوله بأن الحل يكمن في تسوية سعودية – إيرانية برعاية أميركية، ما يعيد إلى الأذهان تسوية الطائف وما بعدها، التي قامت على قاعدة “السين – سين” الشهيرة، التي كرّسته ركناً من أركان الحكم في لبنان.
المفاوضات، سواء نجحت أم فشلت، وكذلك نتائج الميدان، فلا بد أن تمر في النهاية من عند الرئيس بري، باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الدولة
“عدة الشغل القديمة” في زمن المتغيرات
ما يؤشر – من خلال التصريحين – إلى أن الرئيس بري لا يزال يعوّل، وربما يميل، للعمل بـ”عدة الشغل القديمة” وبالأسلوب نفسه، بالرغم من التغيرات الكبيرة التي طرأت على الأحداث والأحوال، وتبدّل الرجال طيلة السنوات الماضية، سواء في لبنان والمنطقة كما في العالم، ما يجعل الأمر أشبه بالاستحالة بعد التجارب المريرة الكثيرة التي مرّ بها الوضع في لبنان، سواء في الداخل أم على مستوى الحروب المتتالية مع إسرائيل التي أوصلته إلى الانهيار، وذلك بغض النظر عن وجاهة الطرح وواقعيته من عدمه.
فهل تجري الرياح الإقليمية العاصفة هذه المرة أيضاً بما تشتهي سفن الأستاذ، فتنجو ويعود الشيخ إلى صباه السياسي؟ أم أن “الطوفان” سيستمر ليجرف معه كل السفن القديمة المتهالكة، كما يجرف – للأسف – تلك القرى الجنوبية الحدودية التي طوّبت بمعظمها الأستاذ نبيه بري مع قرينه حزب الله ثنائياً شيعياً حاكماً ومتحكماً بشؤون الطائفة والبلد؟
أسئلة عديدة برسم التطورات المقبلة، بطبيعة الحال، والكفيلة وحدها بالإجابة عنها.

