رشا الأمير: امرأة تفاوض الحزن بالكتب وتقاوم الموت باللغة

Rasha Amiir

نادرًا ما يكون الربط بين المرأة والكتاب حديثًا رومنطيقيًّا مغايرًا لما أوردته أمّهات الكتب العربيّة الأدبيّة من هذا التناسق السلس. وهذه الندرة يمكن أن يكون وجهًا من وجوهها اسم “رشا الأمير”، التي أرفض أن أجعلها قيدًا مرتبطًا بذكرى أخيها الباحث والناشط السياسي الراحل لقمان سليم.
كانت يدها الصلبة التي رفعت من خلالها قامة دار الجديد، الدار التي ضمّت تحت قبّتها كبار الشعراء والروائيين والمفكّرين وكتّاب السياسة في لبنان والعالم العربي.

ما بعد الفقد… رشا الأمير ككيان مستقل

بعد اغتيال شقيقها لقمان برصاصات الظلام والغدر قبل خمسة أعوام، ووفاة والدتها الباحثة الشاميّة سلمى المرشاق قبل شهور، أصبح من الملحّ جدًا الحديث عن رشا الأمير كامرأة وكيان أنثوي وفكري وأدبي مستقل عن عظيمين أصرّت على ربط طيفها بهما، إضافة إلى طيف والدها النائب والمحامي الراحل محسن سليم.
فرشا الأمير، قبل كل شيء، امرأة تجيد التفاوض مع الموت والحزن، وتستعين بدموعها كقنديل يسهم في كشف ما تبقّى من حياء في هذا البلد المهزوم، الذي يدفن النكبة وتزغرد نساؤه لاستقبال نكبة أخرى.

الرواية بوصفها صبرًا وتأملًا

رشا الأمير الروائيّة، التي كتبت يوم الدين بعقلين: عقل ديني تمظهر برجل دين يبحث عن السؤال ليهرب من الإجابات الجاهزة والواقع الممكن، وعقل امرأة متسلّحة باللغة المنسوجة على مهل؛ اللغة التي تتخطّى اعتناق المشهد والصورة والشخصيّة وتفكيكها نحو كيانها الأعمق.
نصّ رشا الأمير ليس نصّ هويّة شخصيّة وفرادة فقط، بل نصّ سجال وحوار وصبر. وهي تعيد، عبر أسلوبها الروائي، تعريف الرواية ومقارنتها بالصيد؛ تلك المهنة التي تتطلّب الانتظار الطويل والتأمّل والدقّة.

الإنسان قبل السياسة

لا أرى في رشا الأمير امرأة سياسيّة بقدر ما أراها كائنًا إنسانيًا يلتقط الشعارات السياسيّة العامّة ويخرجها بنعومة وإنسانيّة عاليتين، لكنها تبقى في برجها الإنساني والأدبي المنيف.
تتحدّث عن لقمان بلغة الأخت الطفلة، وبلغة الحياة التي لا تتوقّف عند حمّام دم أو وحشيّة يمارسها ظلاميّو حزب السلاح كفواصل إعلانيّة في هذا البلد.

البيت الذي تحرسه الكتب

أعرف رشا الأمير منذ يوم اغتيال شقيقها لقمان سليم. يومها عرفتها أيضًا من خلال والدتي المعجبة برقيّها، فاتجهت إلى المكتبة العامة في صور واستعرت رواية يوم الدين وكتاب إميل سيوران الشعري توقيعات، الذي ترجمه الشهيد لقمان وراجعَه وضّاح شرارة.
وعرفتها واقعيًا قبل عام في دارة الراحل محسن سليم. زرتها مع الصديق الناشر والشاعر محمود وهبة، فاستقبلتنا بابتسامة وعبارة واحدة:
“كلّ كتاب نشرته دار الجديد هو حلال على مكتبتيكما”.
في ذلك المنزل تجد الكتب في كل مكان، وتشعر وكأنّ رشا الأمير تحمي البيت من الفراغ والصدى، وتهرب من الوحدة عبر العناوين التي كتبها أشخاص رحل معظمهم عن عالمنا، لكنها تجعلهم عناوين ناطقة تتهامس معها وتشاركها نشاطاتها اليوميّة.

الخسارة بوصفها استمرارًا

لا يمكنني أن أشبّه رشا الأمير بالسيدة زينب بنت علي، لا لقدسيّة الأخيرة ورمزيتها الدينيّة فحسب، بل لقدسيّة النكبتين واحترام التباين العظيم بينهما.
فنكبة السيدة زينب لا تقلّ أهميّة عن نكبة رشا الأمير، والعكس صحيح. والثابت أنّ الخسارة ليست “جميلة” عند رشا، ولا فعل انتقام. إنّها ألمٌ جعل من رشا الأمير عامودًا فقريًا في جسد الاستمرار والتفكّر.

السابق
بشرى سارة.. رواتب القطاع العام قبل العيد!
التالي
نبيه بري.. بين مطرقة الحرب وسندان المفاوضات!