يقولون إن الموت يغيب الوجوه، لكنهم لم يخبرونا كيف نوقف ضجيج غيابك في قلوبنا. لم يكن محمد حسين مجرد صديق، كان مع رفاق التنظيم الشعبي اللبناني والمؤتمر الدائم للحوار اللبناني، الجهة التي أولي إليها وجهي كلما ضاقت بي الأرض، كان هؤلاء الرفاق المرفأ الذي أركن إليه من تعب الأيام، والآن.. صار المرفأ بعيداً، والطريق موحشاً من دونهم، من دون محمد حسين، من دون هاني فحص، من دون سمير فرنجيه، ومن دون إمامنا محمد مهدي شمس الدين.
تعرفت على محمد حسين في مطلع السبعينات…لا أذكر متى بالضبط… ولكن أذكر أنها رحلة دامت لأكثر من نصف قرن…إنها عمرٌ كامل من الخبز والملح، ومن الأحلام والانكسارات والانتصارات المشتركة…
خمسة وخمسون عاماً، وكأننا بالأمس فقط عقدنا العزم على أن نسير معاً. خمسة وخمسون عاماً لم تكن فيها يا أبا علي صديقاً فحسب، بل كنت الشاهد الصادق على تاريخيK تاريخنا المشترك منذ أول أيام التحامنا بحركة فتح وحتى آخر لقاء وحوار مع سمير فرنجيه وهاني فحص وحسن بزيع وعصام عقيل وحسن محسن ومحمد اسعد وإبراهيم شمس الدين…
كنت المشارك الطليعي في كل معركة خضناها من أجل الحق، وكل صرخة أطلقناها في وجه الظلم، وكل بذرة خير زرعناها معاً في أرض هذا الوطن. كنا معاً حين كان الطريق وعراً، نتقاسم الهمّ ونشدّ من أزر بعضنا البعض، آمنّا بالعدل فكنتَ نِعمَ السند، وآمنّا بالخير فكنتَ رمزاً للعطاء.عشنا هذه السنوات الطوال بحلوها ومرّها، لم تغيرك الأيام ولم تلوثك المصالح، بقيت “محمد حسين” الذي عرفته أول مرة؛ نقياً، شجاعاً، ووفياً.
برحيلك يا محمد حسين بعد هذه الرحلة الطويلة تنطفئ منارة كانت تضيء عتمة الطريق… وتنطوي صفحة من أجمل صفحات عمري، يا صديق العمر، ويا توأم النضال… كيف يترجل الفارس عن فرسه ويترك رفيقه يكمل الطريق وحيداً؟
ابو علي: سأظل أذكرك في كل لحظة مما تبقى لي من هذا العمر، وأحكي للناس عن نبل قلبك وعن فروسيتك وشهامتك وعن طيبتك وصراحتك، وسأبتسم كلما مرّ طيفك، لأنني كنت محظوظاً بما يكفي لأكون رفيقك في رحلة العمر هذه.
نعم سأفتقد ضحكتنا المشتركة التي كانت تهزم الأحزان، وأحاديثنا الطويلة التي لم تكن تنتهي إلا لتبدأ من جديد. رحلتَ يا ابا علي، فأخذتَ معك قطعةً من روحي، وتركت لي حنيناً لا يهدأ.
إلى عائلة الفقيد:
لقد غاب عنكم الزوج والأب، لكنه ترك لكم إرثاً لا يفنى؛ ترك لكم اسماً يُفتح له كل باب، وسيرةً عطرة تُرفع بها الرؤوس. إن كان الفقد مرّاً، فإن عزاءكم هو أنكم بضعةٌ من رجلٍ قضى عمره وهو يزرع الخير ويصون الحق. كونوا لذكراه كما كان هو للحياة؛ نبراساً للعدل وملاذاً للناس، فالحرّ لا يموت ما دام في عقبه من يسير على نهجه.
إلى رفاق الدرب والخندق: رحل اليوم واحدٌ من الرعيل الذي لم يعرف الانكسار، ترجل الفارس الذي قاسمنا الوجع والأمل لأكثر من نصف قرن. عزاؤنا أن الراية التي حملها “محمد حسين” بصدق لم تسقط، بل هي أمانة في أعناقنا جميعاً. سنذكره في كل ساحة للحق، وفي كل ميزان للعدل، وسيبقى صوته الصادق يتردد في ضمائرنا كلما اشتدت المحن.
سلامٌ على روحك يا محمد حسين، سلامٌ على سنواتنا الطويلة التي لم تزدك إلا شموخاً، وسلامٌ على عائلتك الصابرة ورفاقك الأوفياء. نم في سلام، فقد تركت الدنيا وهي تشهد أنك كنت حقاً.. الإنسان الإنسان.

