بين الفرس والروم..الخراب نفسه بأسماء جديدة

في كل مرة يشتعل فيها التوتر بين إيران والولايات المتحدة، يعود الشرق إلى ذاكرته القديمة، كأن التاريخ لم يغادر هذه الأرض يومًا، وكأننا ما زلنا عالقين بين كسرى وقيصر، لكن بأسماء أحدث وصواريخ أذكى وشاشات أكثر لمعانًا.

المنطقة التي لم تعرف الراحة منذ قرون، تبدو اليوم كأنها تعيد تمثيل الحرب نفسها، مع اختلاف الأزياء فقط.

في الأمس كانت الإمبراطوريات تتقاتل بالسيوف والخيول، واليوم تتقاتل بالعقوبات والطائرات المسيّرة والخطابات العقائدية.

أما الإنسان العادي، فلم يتغيّر موقعه كثيرًا؛ ما زال تحت الركام نفسه، وإن اختلف اسم الركام.

عندما يتحول الصراع إلى “قدر مقدّس”

المشكلة ليست فقط في الصراع بين الدول الكبرى، بل في أولئك الذين يحاولون تحويله إلى قدرٍ مقدس، وإلى معركة نهائية بين “معسكر حق” و”معسكر باطل”.

هكذا يتحول العقل إلى خندق، والناس إلى وقود مجاني لحروب لا يملكون قرارها.

في هذه المنطقة، لا تُدار السياسة بعقل بارد، بل غالبًا بغرائز التاريخ وجروح الطوائف ومخاوف الجماعات.

ولهذا يصبح أي توتر دولي مشروع تعبئة مذهبية داخلية، ويصبح المواطن مطالبًا بأن يختار خندقه قبل أن يسأل عن رغيفه أو كرامته أو مستقبل أولاده.

الفقراء يدفعون الفاتورة دائمًا

المفارقة أن الذين يرفعون شعارات “المواجهة الكبرى” لا يذهبون غالبًا إلى الجبهات، بل يرسلون الفقراء إليها.

أبناء القرى والأحياء المنسية هم الذين يدفعون الفاتورة دائمًا، بينما يجلس تجار الشعارات أمام الشاشات يشرحون للناس معنى “الشهادة” و”الصبر الاستراتيجي” و”المعركة المصيرية”.

ولأن الشرق لا يتعب من تكرار مآسيه، يُعاد إنتاج الخوف بالطريقة نفسها:

مرة باسم الدين، ومرة باسم المقاومة، ومرة باسم الأمن القومي، ومرة باسم حماية الحضارة.

لكن النتيجة واحدة دائمًا:

مدن مكسورة، واقتصادات منهارة، وشعوب تبحث عن الكهرباء والدواء والهجرة.

الحروب الطويلة وانتصار الخراب

المؤلم أن كثيرين لا يريدون الخروج من هذه الحلقة، لأن الحروب الطويلة تصنع سلطات طويلة أيضًا.

فالخوف أفضل استثمار سياسي، والعدو البعيد ضروري أحيانًا لتبرير الفشل القريب.

ربما لم تعد هناك حرب فرس وروم بالمعنى التاريخي، لكن ذهنية الإمبراطوريات ما زالت تحكم العالم، وما زالت منطقتنا تدفع ثمن موقعها الجغرافي وثرواتها وعجزها عن بناء دول تشبه الناس لا الطوائف.

في النهاية، لا ينتصر أحد في حروب الإمبراطوريات.

المنتصر الوحيد هو الخراب…

ذلك الكائن العجوز الذي يعرف الطريق جيدًا إلى هذه البلاد.

السابق
عقوبات أوروبية محتملة على مستوطنين يمارسون العنف بالضفة
التالي
تصعيد إسرائيلي جنوبًا… استهداف فرق صيانة وإغاثة في النبطية وتفاقم الخسائر البشرية