تتجه الأنظار اليوم السبت إلى العاصمة السورية دمشق، التي تستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام على رأس وفد وزاري رفيع، في زيارة رسمية تحمل أبعاداً استراتيجية بالغة الأهمية.
وتأتي هذه الخطوة في لحظة إقليمية دقيقة، حيث يسعى لبنان إلى ترتيب علاقاته البينية مع الجوار السوري بالتوازي مع انخراطه في مسارات تفاوضية دولية، وسط آمال بمعالجة ملفات شائكة بقيت عالقة لسنوات طويلة.
أجندة اقتصادية وخدماتية: الطاقة والنقل أولاً
وأوضح رئيس الحكومة نواف سلام قبيل وصوله أن الزيارة تهدف في شقها الأساسي إلى تعزيز أطر التعاون المشترك في مجالات حيوية هي الاقتصاد، النقل، والطاقة.
وأكد سلام أن التوجه اللبناني يرتكز على معالجة القضايا العالقة بروح التعاون المتبادل وبما يخدم المصالح القومية لكلا البلدين، لاسيما في ظل الأزمات المعيشية التي تفرض تنسيقاً عالي المستوى في ملفات الربط الكهربائي وترانزيت البضائع.
هواجس دمشق: المفاوضات مع إسرائيل و”تفكيك المسارات”
على المقلب الآخر، تبرز تعقيدات سياسية في أفق المحادثات؛ فقد نقل “تلفزيون سوريا” عن مصادر في العاصمة السورية أن الرئيس أحمد الشرع سيبحث مع الوفد اللبناني ملف المفاوضات المباشرة الجارية بين بيروت وتل أبيب.
وتشير المعلومات إلى أن القيادة السورية تنظر بـ “قلق متزايد” إلى ما تراه توجهاً لبنانياً للتفاوض دون إطار سياسي جامع أو سقف تنسيقي واضح، وهو ما تخشى دمشق أن يستغله الاحتلال الإسرائيلي لاعتماد سياسة “تفكيك المسارات” والاستفراد بكل ساحة على حدة، بعيداً عن مبدأ وحدة الموقف الإقليمي.
الملفات الإنسانية والقضائية: النزوح والمخفيون قسراً
يبقى ملف اللاجئين السوريين في لبنان، الذين يتخطى عددهم المليون شخص، أحد أبرز التحديات التي سيبحثها الطرفان، سعياً لوضع خارطة طريق لعودة آمنة ومنظمة.
كما سيطرح الجانب اللبناني بجدية ملف المفقودين والمعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، وهو ملف قضائي وإنساني مزمن يطالب لبنان فيه بتعاون سوري كامل.
وفي هذا السياق، كشف وزير الإعلام اللبناني أن قضية الصحافي والمصور سمير كساب ستكون حاضرة بقوة على طاولة البحث.
وكان كساب قد فُقد أثره في مدينة حلب منذ أكتوبر 2013 أثناء عمله مع قناة “سكاي نيوز عربية”، حيث تشير تقارير منظمة “مراسلون بلا حدود” إلى اختطافه من قبل عناصر تنظيم داعش، إلا أن لبنان يصر على استنفاد كافة السبل الدبلوماسية مع السلطات السورية لكشف مصيره النهائي وزميليه.
تمثل زيارة نواف سلام إلى دمشق محاولة لكسر الجمود في العلاقات الثنائية والانتقال بها من طور “إدارة الأزمات” إلى طور “التفاهمات المستدامة”. وبين الطموحات الاقتصادية والهواجس السياسية المرتبطة بمفاوضات الحدود، يبقى النجاح الحقيقي لهذه الزيارة رهناً بقدرة الطرفين على تقديم تنازلات متبادلة في الملفات الأمنية والإنسانية العالقة.

