في هذا البلد، ليست المصيبة أن تُحتل القرى، بل أن يجرؤ أحد على السؤال، كيف نستعيدها؟وليست الفضيحة أن يتحول الجنوب إلى جغرافيا معلّقة بين الخراب والنزوح والخرائط العسكرية، بل أن يظهر مسؤول رسمي ويحاول انتزاع الملف من يد الميدان وإعادته إلى تلك البدعة القديمة التي اسمها الدولة.
هنا تبدأ الخيانة، هنا تُرفع المشانق البلاغية، وتُفتح أسواق التخوين، وتُوزَّع تهم الصهينة كما تُوزَّع بيانات النصر بعد كل هزيمة مؤجلة.
ليس لأن نواف سلام وجوزيف عون يريدان الاستسلام كما يُقال، بل لأنهما ارتكبا جريمة أكثر فداحة حاولا أن يقولا إن للبنان مرجعية غير صوت البندقية.
وهذا في جمهورية الشعارات الكبرى ذنب لا يُغتفر.
لقد تأخرنا كثيرا في فهم الحقيقة فلبنان لم يُخلق ليكون وطنا عاديا ،يا لسذاجتنا حين ظننّا أنه بلد يريد اقتصادا واستقرارا وعلاقات عربية، واستثمارات، وسياحة، ومؤسسات، وحدودا واضحة، وقرارا سياديا واحدا
كم كنّا بؤساء ونحن نطالب الدولة بأن تحمي الناس، فيما المطلوب منها فقط أن تدير مراسم الحداد بكفاءة أعلى.
لا، لقد اقتنعت أخيرا ،اقتنعـت أن وظيفة لبنان الحقيقية ليست الحياة بل الخطابة فوق الركام،فالمشكلة مع نواف سلام وجوزيف عون ليست أنهما يريدان وقف الحرب،الجميع يريد وقفها، حتى أكثر الغارقين في أدبيات المواجهة الكبرى يعرفون أن البلاد لم تعد تتسع لقبر إضافي أو لنشرة عاجلة أخرى تبدأ بكلمة استهداف لكن المشكلة أن الرجلين يريدان وقفها عبر الدولة، لا عبر تثبيت حق الميدان الأبدي في امتلاك النهاية كما امتلك البداية.
وهنا انفجرت القيامة، في الايديولوجيا الممانِعة، لا تكفي الحرب بحد ذاتها يجب أن يبقى حق تفسيرها وحق التفاوض باسمها وحق إعلان نهايتها حكرا على من قرر إشعالها.
أما الدولة اللبنانية، فوظيفتها ثانوية جدا،تدفع الفواتير، تجمع الركام، تستدين لإعادة الإعمار، تستقبل النازحين، ثم تنسحب بهدوء كي لا تفسد المشهد البطولي.
ثمانٍ وستون قرية جنوبية وربما اكثر بين احتلال ودمار وفراغ، آلاف العائلات تحوّلت إلى حقائب بشرية تتنقل من مدرسة إلى مدينة إلى منفى داخلي، اقتصاد دخل مرحلة ما بعد الانهيار، وعلاقات عربية تآكلت حتى صار لبنان يبدو لكثيرين كأنه نشرة حروب متنقلة لا دولة.
ثم يخرج علينا من يصرخ بغضب أخلاقي،كيف تفاوضون من دون موافقة الميدان؟
يا للوقاحة فعلاً،كيف تجرؤ الدولة على التصرف كدولة؟
كيف يجرؤ رئيس جمهورية على الكلام عن حصرية القرار الأمني والعسكري؟كيف يجرؤ رئيس حكومة على الاعتقاد أن وظيفة السياسة حماية الناس لا إدارة جنائزهم؟
من أعطاهما هذا الحق الخطير؟
ألم يتعلّما بعد أن لبنان ليس وطنا،بل منصة دائمة لتبادل الرسائل الإقليمية بالنار اللبنانية؟
ثم تأتي العبقرية الأعظم في خطاب مجموعات الممانعين- حزبيين، يساريين،قوميين،إسلاميين،اخونجيين،عروبيين كيوت ،بعثيين،ناصريين، وغيرهم من بقايا الحقبات البالية، مفادها تحويل أي محاولة لإنقاذ لبنان إلى فعل خيانة، فيما تحويل لبنان إلى ساحة مستنزفة باستمرار يُقدَّم كأعلى درجات الكبرياء.
إذا فاوضت الدولة لحماية ما تبقّى من البلد فأنت ضعيف ومتواطئ،أما إذا خسر البلد أرضه واقتصاده وعلاقاته العربية واستقراره مقابل الحفاظ على حق الميدان بالكلام فهذه بطولة تاريخية.
يا لها من معادلة خارقة للطبيعة،ولأنني اقتنعت أخيرا بهذا المنطق العظيم، أرى فعلاً أن على نواف سلام وجوزيف عون التوقف فورا عن هذا التدخل الوقح في المسار المقدّس للانهيار،اتركوا الكلام للميدان فعلاً.
دَعوا الميدان يستعيد القرى المحتلة وحده،دَعوه يدحر العدو وحده،دعوه يعيد الناس إلى بيوتهم،دَعوه يبني المنازل والجسور والمدارس والمستشفيات،دَعوه يدفع التعويضات،دَعوه يعالج الاقتصاد، ويعيد الودائع، ويقنع المستثمرين، ويعيد السياح، ويفتح أبواب الخليج التي أمضى سنوات يشرح لنا أنها أوكار الخنوع والتطبيع،لا نريد العرب الخانعين أن يساعدونا.
لا نريد أموال الخليج المتآمر.
لا نريد تلك الدول العربية الذليلة أن تعيد إعمار ما حوّلته خطابات العزة إلى غبار.
دعوا الكرامة تبني البيوت وحدها، دعوا الشعارات تنتشل الناس من تحت الركام.
دعوا بيانات التخوين تتحول إلى إسمنت وحديد وطبابة وتعويضات.
ثم لماذا نتوقف هنا؟
لنقطع العلاقات مع الخليج وأوروبا وأميركا وكل دولة ما زالت تتوهم أن لبنان يجب أن يكون دولة لا منصة.
لنفتح الحدود لكل الزاحفين نحو القدس من كل الجهات، ولنجعل ما تبقّى من هذا البلد ممراً كونياً للمحاور والجبهات والرايات، ثم نجلس فوق الخراب ونشرح للعالم، بكامل الكبرياء، أن السيادة كانت تستحق كل هذا الموت.
أما المواطن اللبناني، هذا التفصيل المزعج، فوظيفته الوحيدة أن يتحمّل.
يتحمّل النزوح باسم الكرامة،والفقر باسم السيادة،والعزلة باسم العزة.
والدمار باسم الانتصار المعنوي
ثم يقف في نهاية المشهد ليصفّق لمن يخبره أن الكلام ما زال للميدان
والميدان… يا لهذا الميدان العظيم،ذلك الكائن الأسطوري الذي لا يُسأل عن النتائج، ولا يُحاسب على الكلفة، ولا يعتذر عن الخراب، لأنه أعلى من الوقائع نفسها.
إذا خسر أرضاً قال إنها مناورة،إذا دُمّرت القرى قال إنها تضحيات،إذا انهارت الدولة قال إنها مؤامرة دولية.
أما إذا حاول أحد إعادة تعريف لبنان كدولة طبيعية، فعندها فقط تقوم القيامة.
لذلك نعم، يا نواف سلام ويا جوزيف عون، توقّفا فوراً عن هذا العبث المؤسساتي.
أوقفا مفاوضات العار.
اعتذرا من الميدان لأنكما فكرتما للحظة أن للبنان حقاً في أن يملك قراره.
واتركوا الكلام للميدان…
فالميدان، حتى الآن، لم ينجح فقط في احتلال السياسة والدولة والقرار، بل نجح أيضا وهذه معجزته الحقيقية في إقناع شعب كامل أن الخراب يمكن أن يكون قداسة وأن الوطن قد يتحول إلى جنازة مفتوحة مليئة بدماء اللبنانيين تُدار بخطابة مذهلة، فيما الجميع يصفّق فوق الأنقاض خوفاً من أن يُتَّهم بالخيانة إذا سأل السؤال الوحيد الذي لا يريد أحد سماعه:
من الذي حرّر ماذا ومن الذي خسر لبنان؟

