في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى الجولة التفاوضية اللبنانية – الإسرائيلية المرتقبة الأسبوع المقبل في واشنطن، بدا المشهد اللبناني وكأنه يتحرك على خطين متوازيين: مسار سياسي يسعى إلى تثبيت وقف إطلاق النار وفتح باب التفاوض المباشر، ومسار ميداني إسرائيلي يعمل على تكريس معادلات جديدة بالنار والاغتيالات والضغط العسكري.
وفي هذا السياق، عقد مجلس الوزراء جلسة في السراي الحكومي برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، بعدما كان قد زار عين التينة والتقى رئيس مجلس النواب نبيه بري، حيث حضر ملف التصعيد الإسرائيلي والمفاوضات بقوة على طاولة البحث، إلى جانب الملفات الإدارية والوظيفية.
واشنطن تستعد… ولبنان يتمسك بوقف النار
بحسب المعطيات، سيذهب لبنان إلى الجولة التفاوضية المرتقبة متمسكًا بأولوية تثبيت وقف إطلاق النار كمدخل لأي تفاوض مباشر مع إسرائيل، وسط معلومات عن احتمال مشاركة السفير سيمون كرم في المحادثات، في مؤشر إلى سعي بيروت لإعطاء المفاوضات طابعًا سياسيًا – دبلوماسيًا أكثر وضوحًا.
غير أن هذا المسار التفاوضي يصطدم بواقع ميداني شديد التعقيد، خصوصًا مع عودة إسرائيل إلى سياسة الاغتيالات داخل العمق اللبناني، بما يوحي بأن تل أبيب تحاول التفاوض من موقع الضغط العسكري لا من موقع التهدئة.
“لا حصانة”… إسرائيل تعيد معادلة الاغتيالات
التصعيد الإسرائيلي الأخير حمل رسائل واضحة. فقد أعلنت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية أن الجيش “قضى على أحمد غالب بلوط، قائد وحدة قوة الرضوان التابعة لـحزب الله، في الضاحية الجنوبية لبيروت”.
كما أكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي تنفيذ غارات على أكثر من 15 هدفًا قال إنها “بنى تحتية إرهابية” في جنوب لبنان، شملت مستودعات أسلحة ومواقع تصنيع ومراكز قيادة ومنصات إطلاق صواريخ.
وفي موازاة ذلك، رفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سقف التهديد بإعلانه أن “لا حصانة لأي إرهابي ولمن يهدد إسرائيل”، مضيفًا أن قائد “الرضوان” كان يعتقد أنه “محصّن في بيروت”.
هذا الخطاب يعكس بوضوح أن إسرائيل تسعى إلى إعادة تثبيت معادلة الردع عبر توسيع بنك الأهداف، وربما فرض قواعد اشتباك جديدة تتجاوز التفاهمات القائمة.
الداخل اللبناني: دعم للعهد وخطاب السيادة
في المقابل، يتعزز داخليًا خطاب دعم الدولة ومؤسساتها. فقد شدد رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل على دعم المفاوضات التي يقودها رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، معتبرًا أن “الدستور يعطي رئيس الجمهورية الحق بالتفاوض مع الخارج”.
كما أعاد الجميل التذكير بذكرى 7 أيار، معتبرًا أنها أسقطت مقولة إن السلاح موجّه فقط إلى الخارج، في إشارة مباشرة إلى سلاح حزب الله ودوره الداخلي.
بدوره، شدد وزير التنمية الإدارية فادي مكي، بعد لقائه الرئيس عون، على أهمية الوحدة الوطنية ورفض خطاب التخوين والانقسام، مؤكدًا الثوابت اللبنانية في أي مفاوضات: تحرير الأرض، بسط سلطة الدولة، عودة الأسرى والنازحين، وإعادة الإعمار.
الجنوب تحت النار… والحزب يرد
ميدانيًا، استمرت الغارات الإسرائيلية والإنذارات بالإخلاء في عدد من بلدات الجنوب، من دير الزهراني إلى ياطر والخيام والنبطية، حيث سقط قتلى وجرحى، وسط دمار واسع طال المنازل والبنى التحتية.
في المقابل، أعلن حزب الله تنفيذ عمليات استهدفت آليات إسرائيلية في محيط البياضة وشمع ودير سريان، في استمرار واضح لوتيرة الاشتباك الميداني رغم الحديث عن مفاوضات وتهدئة.
الإصلاح المالي… بالتوازي مع الخطر الأمني
على خط موازٍ، حضر الملف الاقتصادي في لقاء الرئيس عون مع حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، حيث جرى البحث في قوانين الإصلاح المصرفي والاستقرار النقدي، إضافة إلى التحضير لزيارة الحاكم إلى الولايات المتحدة ولقاءاته المرتقبة مع مسؤولي صندوق النقد الدولي والخزانة الأميركية.
ويعكس هذا المسار إدراكًا رسميًا بأن أي استقرار سياسي أو أمني لن يكون كافيًا من دون إعادة بناء الثقة المالية والاقتصادية بالدولة اللبنانية.
لبنان بين الفرصة والخطر
يقف لبنان اليوم أمام لحظة شديدة الحساسية: مفاوضات سياسية قد تفتح نافذة لوقف الحرب، مقابل تصعيد إسرائيلي يحاول فرض شروطه بالنار. وبين هذا وذاك، تبدو الدولة اللبنانية أمام تحدي تثبيت السيادة ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة مفتوحة، في وقت تتقاطع فيه الحسابات الإقليمية والدولية فوق الأرض اللبنانية المثقلة بالأزمات والانقسامات.

