فجوة نووية تتسع بين واشنطن وطهران.. وهدنة هشّة على حافة الانفجار

ايران واميركا

ما تزال الفجوة بين واشنطن وطهران تتسع يومًا بعد يوم، خصوصًا في ما يتعلق بحدود تخصيب اليورانيوم وآليات التفتيش على البرنامج النووي الإيراني، في وقت تتكثف فيه الضغوط السياسية والعسكرية للوصول إلى تفاهم يوقف الحرب ويمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أشمل.

وفي هذا السياق، نقل موقع Axios عن مسؤولين أميركيين قولهم إن “التواصل مع إيران بطيء، لأن كل رسالة يجب أن تمر عبر المرشد الميت أو المختبئ لأسباب أمنية”، في إشارة إلى التعقيدات السياسية والأمنية التي تحيط بالمفاوضات الجارية.

جون بولتون: إسقاط النظام هو الحل الوحيد

وفي موازاة المسار التفاوضي، عاد مستشار الرئيس الأميركي السابق جون بولتون إلى طرح موقفه المتشدد تجاه إيران، معتبرًا أن “الطريقة الوحيدة التي يمكن للولايات المتحدة من خلالها ضمان عدم حصول إيران على سلاح نووي هي إزالة النظام في طهران تمامًا”.

وأضاف: “تحت وقف إطلاق النار، تمكنوا من إعادة البناء، وحان الوقت لإنهاء المهمة”، في موقف يعكس استمرار وجود تيار أميركي يدفع نحو الحسم العسكري بدل التسوية السياسية.

ترامب يلوّح بالاتفاق… أو القصف

من جهته، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشبكة PBS بأنه “من المحتمل التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل زيارتي للصين الأسبوع المقبل”، مضيفًا: “أعتقد أن هناك فرصة لإنهاء الحرب، أو سيتعين علينا العودة إلى قصف مدمّر لم يسبق له مثيل ما لم ينتهِ الأمر”.

وأشار ترامب إلى أن الاتفاق المطروح يقضي بقيام إيران بتصدير اليورانيوم العالي التخصيب إلى الولايات المتحدة الأميركية، في خطوة تعتبرها واشنطن أساسية لضمان عدم استخدامه في أي برنامج عسكري مستقبلي.

اتفاق من صفحة واحدة… ولكن

في المقابل، أكد موقع “أكسيوس” أنه لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي بعد، إلا أن المصادر أشارت إلى أن هذه هي أقرب نقطة وصل إليها الطرفان منذ بدء الحرب.

كما كشفت مصادر أميركية مطلعة أن البيت الأبيض يعتقد أنه بات قريبًا من التوصل إلى اتفاق أولي مع إيران، يتمثل في مذكرة تفاهم مختصرة من صفحة واحدة، تهدف إلى إنهاء الحرب الجارية ووضع إطار لمفاوضات نووية أكثر تفصيلًا خلال مرحلة لاحقة.

وبحسب مسؤولين أميركيين ومصادر مطلعة على سير المفاوضات، تنتظر واشنطن ردّ طهران خلال الـ48 ساعة المقبلة على عدد من النقاط الرئيسة.

14 بندًا ترسم ملامح التسوية

تشير المسودة الحالية للمذكرة، التي تتضمن 14 بندًا، إلى إعلان وقف الحرب في المنطقة بشكل رسمي، على أن يعقب ذلك بدء فترة مفاوضات تمتد 30 يومًا للتوصل إلى اتفاق شامل يتناول ثلاثة ملفات رئيسة: إعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز، تقييد البرنامج النووي الإيراني، ورفع العقوبات الأميركية.

ويمثل البرنامج النووي الإيراني محور الخلاف الأساسي، حيث تتضمن المذكرة التزام إيران بوقف تخصيب اليورانيوم لفترة زمنية يجري التفاوض بشأنها. وتشير التقديرات إلى أن المدة قد تتراوح بين 12 و15 عامًا.

إيران اقترحت خمس سنوات، بينما تطالب واشنطن بعشرين عامًا، وتسعى الولايات المتحدة إلى إدراج بند ينص على تمديد فترة التعليق في حال حدوث أي خرق، مع السماح لإيران بعد انتهاء المدة بتخصيب منخفض بنسبة 3.67 في المئة.

تفتيش صارم ومنشآت تحت الرقابة

تشمل البنود أيضًا تعهّد إيران بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، وحظر الأنشطة المرتبطة بتطوير الأسلحة النووية، إضافة إلى مناقشة وقف تشغيل المنشآت النووية تحت الأرض.

كما تنص المذكرة على إخضاع البرنامج النووي الإيراني لنظام رقابي صارم، يشمل عمليات تفتيش مفاجئة من قبل مفتشي الأمم المتحدة، وتوسيع نطاق المراقبة الدولية لضمان الالتزام.

ومن بين البنود الأكثر إثارة للجدل احتمال موافقة إيران على إخراج اليورانيوم عالي التخصيب من أراضيها، عبر نقله إلى دولة ثالثة أو حتى إلى الولايات المتحدة، وهو بند تعتبره واشنطن من أولوياتها، رغم رفض طهران له في مراحل سابقة.

العقوبات وهرمز: مقايضة الأمن بالاقتصاد

في المقابل، تلتزم الولايات المتحدة برفع تدريجي للعقوبات المفروضة على إيران، والإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة عالميًا، على أن ترتبط هذه الإجراءات بمدى التزام إيران ببنود الاتفاق خلال فترة التنفيذ.

كما تنص المذكرة على رفع القيود الإيرانية على الملاحة، وإنهاء الحصار البحري الأميركي تدريجيًا، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة التجارة العالمية، على أن يتم تنفيذ هذه الخطوات تدريجيًا خلال فترة التفاوض البالغة 30 يومًا.

هدنة قابلة للانفجار

ورغم الطابع التوافقي للمذكرة، فإن معظم بنودها تبقى مشروطة بالوصول إلى اتفاق نهائي. وفي حال انهيار المفاوضات، يمكن للولايات المتحدة إعادة فرض الحصار البحري أو استئناف العمليات العسكرية، ما يترك الباب مفتوحًا أمام عودة التصعيد أو استمرار حالة “الهدنة غير المستقرة”.

وتُدار المفاوضات عبر مبعوثين أميركيين، أبرزهم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى جانب مسؤولين إيرانيين، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء.

بين العقل والسلطة

اعتقدنا طويلًا أن العقل البشري يمتلك حصانة فطرية ضد الاختراق، لكن تاريخ الإقناع القسري أثبت أن القمع الفكري الممنهج والعزلة قادران على إعادة صياغة الذات من الصفر، محوّلين الإنسان إلى مجرد وعاء فارغ يتم ملؤه بأفكار السجّان.

إن مأساة تجارب التحكم في العقل لا تكمن فقط في الألم الذي سببته للضحايا، بل في الغرور الذي جعل البعض يعتقدون أنهم قادرون على لعب دور الخالق، وتشكيل وعي جديد للإنسان وكأنه قطعة من الطين، متناسين أن اقتلاع العقل من جذوره الأخلاقية لا ينتج إلا وحوشًا أو حطامًا بشريًا.

السابق
بين التراب وألم التيه..
التالي
سفيرا بريطانيا وكندا: حرية الإعلام ركيزة أساسية للديمقراطية