بين التراب وألم التيه..

ميس الجبل جنوب لبنان

في تلك البقعة الساكنة في أعماق الجنوب، حيث تعانق الأرض جذور الزيتون وتتكلم أوراقها لغة الحنين، وتفوح رائحة التراب الندية في كل نسمة، لا تبدو حالة الخوف مجرد عثرة في مسيرة الأيام، بل هي تيهٌ في جوهر المعنى، حيث يختلط الدم بالندى وتتقاطع الحياة مع المأساة. لم يعد السؤال: ماذا يحدث؟ بل صار النبض يتساءل: كيف نلملم الشتات ونغزل الحقيقة من خيوط الفجر؟

الحقيقة في العتمة

الحوار والجدل بحق ليس انحناءً، بل هو لقاء عقلاني ونوراني يجمع الأرواح حول محور الكرامة والسمو، لا خضوعًا لموازين القوى. إن صون الإنسان والذود عن حماه، كحنان الأم الذي يغمر وليدها، ووجدان الأب وهو يحمل هموم أبنائه، وعاطفة الأخت وهي تحرس خطى أخوتها، ليس التفاتة عابرة، بل هو التزام مطلق بالقيم النورانية التي تحكم الوجود وتنبض بها الطبيعة. لكن المفارقة تنبثق حين نحيا في غفلة عن السنن التي تضبط إيقاع الكون.

تُرفع رايات القول، بينما تذوي الحقيقة في العتمة، وتُدان الجرائم بلسان، ثم يُتعامل مع قسوتها ببرود يشبه الجليد. إن البرود الذي ينسى نبض الإنسان ليس حكمة، بل جفاف في الروح أُلبس ثوبًا مستعارًا من العقلانية. تُرفع لافتات النور والحرية، ثم تُتخذ قناعًا لتبرير التناقضات، وهنا يصبح العثار بنيانًا ثابتًا في نفوسٍ ألفت الظلام. وفي هذا الزمن الذي تنأى فيه النفوس عن مكارمها، لم يعد حامل الحقيقة في كلمات الصحيفة مجرد ناقل للخبر، بل صار وتراً يعزف ألم الأرض، وجزءاً من ضريبة الوجود.

حين يتحول الإنسان إلى رقم

شهداء الكلمة وشهدائنا من أهل الأرض ليسوا مجرد أرقام في صفحات، بل هم أرواح أضاءت الدرب، ووجوه طبعت حكاياتها في صخر الجبال. أما الأرقام التي تُسرد، فليست مخيفة في ذاتها بقدر ما تخيفنا قسوة التعود؛ إنها تُعلمنا كيف ننام وأرواحنا لا ترتجف، وكيف نمرّ على الألم دون أن نلتفت. حين يتحول الإنسان إلى رقم، تفقد الفجيعة هيبتها، وحين يصبح الموت المعتاد خبراً يمر، نفقد قدرتنا على البكاء والرفض.

نحن هنا لسنا في غفلة عن الحقيقة، بل نحن غارقون في بحرها دون أن نملك مجداف التفاعل مع أمواجها العميقة. تتحول المفاهيم إلى ظلال باهتة، صور تنفصل عن جوهرها، وتغدو الكلمات مجرد أصداء خالية من الروح، مفرغة من عمقها الإنساني. وهنا يبلغ الألم ذروته؛ حين نغزل خطابات الكرامة في لحظة تُداس فيها، ونبكي القتيل في مشهد تحول إلى طقس مألوف.

في خضم هذا التيه، تتكلم الأرض بلسانها، وتئن السنديانة، ويبكي الزيتون في كرمه المنسي. إن ألمنا هو ألم التراب الذي يعتصر وجعًا لأبنائه، فالحقيقة واحدة لا تتغير، والمشكلة ليست في غياب المعايير السامية، بل في جفاء القلوب وتخليها عن الالتزام الحقيقي بها. لتبقى الأرض، بترابها وعبيرها، هي الملاذ الذي نعود إليه، موئل الحكمة والوجد، ومقصد النفوس التي تتوق إلى النور، فنتسامى فوق الجراح لنغرس بذور الأمل في تربة لا تعرف الانكسار.

السابق
على خلفية مخاوف من إيران… إسرائيل تشدّد القيود على نظام تحديد الصواريخ
التالي
فجوة نووية تتسع بين واشنطن وطهران.. وهدنة هشّة على حافة الانفجار