يمكن القول بأن مسيرة حزب الله في لبنان مرت بثلاث مراحل، الأولى من العام 1982 وحتى العام 1989، عام اتفاق الطائف الذي وضع حدًّا للحرب الأهلية. المرحلة الثانية كانت من العام 1990 وحتى العام 2000، وهو عام التحرير الكامل للجنوب عبر استعادة الشريط الحدودي المحتل منذ العام 1978. المرحلة الثالثة هي الممتدة من العام 2000 وحتى اليوم، وقد حفلت بمحطات كثيرة وكبيرة تركت آثارها على الوضع اللبناني العام، مثل العام 2005 عام اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والعام 2006 عام الحرب مع إسرائيل، التي أدَّت بعدها إلى محطة سوداء أخرى في العام 2008، عام استباحة بيروت، وغيرها من المحطات التي أورثتنا نكبة اليوم.
البدايات الأولى قبل التأسيس الرسمي
في الواقع، فإن عام 1982 كان عام وصول الحرس الثوري إلى لبنان وبداية وضع حجر الأساس لما أصبح يُعرف بحزب الله الحالي، لكن هذا لا ينفي بأن العمل “الثوري الإسلامي” قد بدأ منذ العام 1980 عبر عدة منظمات مجهولة – معلومة تحت أسماء متعددة، قبل أن تتكتل وتشكل نواة الحزب فيما بعد، خاصة مع بداية التوترات العراقية – الإيرانية التي أدت، فيما أدت إليه، إلى إعدام السيد محمد باقر الصدر وشقيقته في العراق، ما دفع هذه المنظمات لشن حملة تصفيات ضد شخصيات شيعية عروبية وبعثية عراقية، كان من أبرز ضحاياها نقيب الصحافة اللبنانية رياض طه، والشاعر الجنوبي الفذ، المسؤول في حزب البعث الموالي للعراق، موسى شعيب، كذلك تم تفجير مقر السفارة العراقية في بيروت وغيرها من الحوادث.
إن عام 1982 كان عام وصول الحرس الثوري إلى لبنان وبداية وضع حجر الأساس لما أصبح يُعرف بحزب الله الحالي، لكن هذا لا ينفي بأن العمل “الثوري الإسلامي” قد بدأ منذ العام 1980
مرحلة التأسيس وإثبات الوجود (1982 – 1989)
بعد العام 1982، ومع بداية التنظيم الفعلي مع وصول طلائع الحرس الثوري إلى البقاع، بدأت مرحلة يمكن تسميتها بمرحلة التأسيس، ومن ثم إثبات الوجود حتى التثبيت، وهي مرحلة استمرت حتى عام اتفاق الطائف سنة 1989. وقد تخللها في لبنان عمليات خطف للرهائن الأجانب من أميركيين وفرنسيين وحتى عرب، ربطًا بالدعم الذي كانت توفره هذه الدول للنظام العراقي في حربه ضد إيران، كما عملية تفجير مقر المارينز والقوات الفرنسية العاملة في لبنان أواخر العام 1983.
ترافق ذلك مع بداية عمليات المقاومة الإسلامية ضد إسرائيل، وأهمها كان تفجيرين انتحاريين على مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور.
الامتدادات الخارجية وتداخل الأجندات
بالتوازي، وفي الخارج، كانت هناك عمليات في الكويت، منها محاولة اغتيال الأمير التي اتُّهم بها مصطفى بدر الدين، وغيرها من التفجيرات أيضًا على خلفية الحرب العراقية – الإيرانية، وهذا يؤكد بأن الحزب لم تكن يومًا أجندته لبنانية صرفة، بمعنى أنه حتى عملياته ضد الاحتلال كانت من ضمن مشروع إيراني للمنطقة، وفي إطار تثبيت شرعيته في لبنان خدمة لهذا المشروع لاحقًا. نقول هذا من باب الشرح والتفسير، وليس من باب الانتقاص من دور المقاومة كحق طبيعي ودماء الشهداء وتضحياتهم.
الصراعات الداخلية ومصادرة ورقة المقاومة
وبعد تصفية حزب البعث العراقي، اتجه الحزب صوب الحزب الشيوعي اللبناني، بالرغم من أن الأخير كان يومها متحالف مع منظمة العمل الشيوعي وغيرها من المنظمات، رأس حربة المقاومة الوطنية اللبنانية – جمول – ضد الاحتلال الصهيوني، وذلك على خلفية صراع نظام الملالي مع حزب “تودة” الشيوعي من جهة، ورغبة نظام الأسد، ومعه إيران، بمصادرة ورقة المقاومة واحتكارها لاستعمالها في تنفيذ أجندتهم السياسية ومشروعهم في المنطقة من جهة أخرى.
وهكذا تم اغتيال الكثير من المفكرين والصحفيين وقادة من الحزب الشيوعي اللبناني بطريقة بشعة.
أتى الدور على حركة أمل “الشيعية”، على خلفية الصراع على الأرض في الجنوب، في محاولة لإلحاقه بالمشروع الإيراني عقائديًا وسياسيًا، فكانت المعارك الطاحنة التي امتدت بعدها إلى بيروت
الصدام مع حركة أمل وبروز “الثنائي الشيعي”
ثم بعد ذلك أتى الدور على حركة أمل “الشيعية”، على خلفية الصراع على الأرض في الجنوب، في محاولة لإلحاقه بالمشروع الإيراني عقائديًا وسياسيًا، فكانت المعارك الطاحنة التي امتدت بعدها إلى بيروت، بذريعة رفض حرب المخيمات التي قادتها حركة أمل ضد الفلسطينيين، وكانت كارثة بكل معنى الكلمة على الطائفة الشيعية، تخللها كذلك اغتيال الكثير من قادة الحركة، أهمهم داوود داوود ومحمود فقيه وحسن سبيتي في بيروت.
واستمرت حتى توقيع الاتفاق بين الجانبين برعاية سورية – إيرانية، الذي ترافق، وربما فرضته، ظروف المنطقة بعد هزيمة إيران في حربها أمام العراق وتوقيع اتفاق الطائف لإنهاء الحرب في لبنان، لتبدأ مرحلة جديدة في مسار الحزب والحركة، حيث شكّلا سويًا “الثنائي الشيعي” الذي أُوكِل إليه، سوريًا وإيرانيًا، مهام إدارة شؤون الطائفة الشيعية في الجمهورية الثانية، بحيث تتولى حركة أمل الشؤون السياسية في الدولة، بينما يتولى حزب الله شؤون المقاومة العسكرية في جنوب لبنان، بهدف تحرير الشريط الحدودي المحتل.

