تنطلق اليوم في مقر وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن المفاوضات المباشرة الثانية بين لبنان وإسرائيل، والأولى كانت قد سبقتها في أواخر العام 1982، والتي انعقدت بين خلدة جنوب العاصمة اللبنانية بيروت وكريات شمونة في شمال فلسطين المحتلة، والتي أفضت في حينه إلى اتفاق السابع عشر من أيار. وعلى الرغم من الفارق الزمني، إلا أن وضع لبنان كان أفضل من اليوم، حيث على الرغم من حروب ذاك الزمن ما بين الفئات اللبنانية المتقاتلة، إلا أنه كان لا يزال عند اللبنانيين قليل من الانتماء الوطني من اليمين واليسار، ولم تكن لتصل الوقاحة بالفئات المتناحرة إلى هذا المستوى من العمالة والخيانة بحق الوطن وأهله.
وقد كان لا يزال باقيًا في النفوس بعض من انتماء للبنان، ولم تصل درجة الجحود باللبنانيين إلى هذا المستوى من حصرية المقاومة والتمثيل، وحين دقت الساعة في أواخر العام 1989، التزم الجميع مضمون اتفاق الطائف، وسلّموا السلاح وانتظموا بالدولة اللبنانية.
واقع مختلف: انقسام داخلي وتبدّل الأولويات
أما اليوم، فتأتي المفاوضات في ظرف مختلف تمامًا، فالانقسام اللبناني بين أكثرية لبنانية، ومن مختلف أطياف المجتمع اللبناني، ضد مغامرات السلاح، والتي اتخذت من لبنان مطية لتحقيق أغراض ومصالح إيران على حساب لبنان وانتمائه، لا بل سلخت لبنان عن شخصيته وهويته، واحتكرت عمل المقاومة، واختصر طرف بذاته في احتكار تمثيل الطائفة الشيعية بأمها وأبيها.
وهذا ما لم يحصل بتاريخ لبنان القديم والحديث، حيث أصبح السلاح هوية وغاية وهدف، ومطلوب من الشعب اللبناني تحمّل نتائج مغامراته ونتائجها الكارثية.
كسر المحرمات السياسية: إعلان التفاوض المباشر
فاليوم تأتي المفاوضات المباشرة، والتي كانت لسنوات وعقود تُشكّل حُرُمًا وجرمًا أخلاقيًا ووطنيًا لمجرد الحديث عنها. فقد أقدم رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، في بداية شهر آذار الفائت، على إعلان مبادرته، والتي تنص على المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وهو بذلك كسر المحرمات وكل ما يمتّ لها بصلة.
ولحقه رئيس الحكومة الرئيس نواف سلام حين أعلن، ومن دون تردد أو خوف أو وجل، أن لبنان هو من يفاوض عن نفسه وليس أي طرف آخر، وقد أتبعه بقرار من حكومته تُعتبر الجناح العسكري لحزب الله منظمة خارجة عن القانون، وهو بذلك قطع الطريق على إيران التي كانت ذاهبة لملاقاة الوفد الأميركي في باكستان للبدء بمفاوضات للتوصل إلى اتفاق في وقف الأعمال الحربية التي كانت دائرة على الأراضي الإيرانية وبعض الساحات في شرق المتوسط، ومنها الساحة اللبنانية.
بذلك وضع لبنان نفسه على الحياد عن الواقع الإيراني وساحاته الداخلية منها والخارجية، وقد ساهمت بذلك سياسة الولايات المتحدة التي، نوعًا ما، وقفت إلى جانبه في هذا المسار.
تفاصيل اللقاء الأول في واشنطن
اليوم ينطلق اللقاء الأول في مسيرة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، والذي يُعتبر لقاءً تحضيريًا لبدء المفاوضات في مقر وزارة الخارجية الأميركية بين سفيرة لبنان في واشنطن وسفير إسرائيل أيضًا في واشنطن، وبحضور سفير الولايات المتحدة في لبنان ومستشارين في وزارة الخارجية الأميركية. والمعلومات تؤكد حضور وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو لبعض الوقت ثم يُغادر، وهذا يدل على الاهتمام الأميركي في هذه المفاوضات، وفي فصلها عن مسار المفاوضات الأميركية – الإيرانية، وهذا الأمر مفيد للبنان ويحقق سيادته.
طبعًا، الأنظار شاخصة للحظة بدء اللقاء في تمام الساعة الحادية عشرة صباحًا بتوقيت واشنطن، والذي يُصادف الساعة السادسة مساءً بتوقيت بيروت ولبنان الرسمي، والشعب يتأمل أن يحمل ذلك اللقاء، والذي سيؤسس لمرحلة طويلة وشاقة من المفاوضات المباشرة، الأمل بأن يحمل الخلاص للبنان وشعبه، ليفتح صفحة جديدة في مساره بين دول وشعوب العالم.
مواقف موازية ومحاولات التأثير
لا شك أن نعيم قاسم أطَلّ بالأمس ليسبق اللقاء، معلنًا مجموعة من اللاءات والطلبات، والتي تخدم إيران ومصالحها على حساب لبنان وشعبه، الذي ضاق ذرعًا بمغامرات حزب الله ومحركته إيران، ضاربًا بعرض الحائط مصالح الشعب اللبناني وما تحمّله ولا يزال في سبيل تحقيق مصالح إيران.
من هنا، يكتسب لقاء اليوم أهمية بالغة في تاريخ لبنان ومصير شعبه، في أن يحمل هذا اللقاء ما يحلم به وينتظره الشعب اللبناني، على الرغم من أن هذا اللقاء ستكون أهميته في أنه سيضع الأسس التي ستسير عليها المفاوضات، والتي تأمل بعض الدول الشقيقة والصديقة للبنان، كمصر وقبرص وفرنسا وإيطاليا، في أن تستضيفها لاحقًا.
والأبصار شاخصة، لعلها تحمل ضوءًا أخضر فيه قبس من توجه لقرار وقف الحرب الدائرة منذ الثاني من آذار الفائت لإسناد إيران وثأرًا لمرشدها الذي قُتل، ومعه قُتل للآن ما يزيد عن ألفي مواطن لبناني، واستمر الدمار لما حملته حرب إسناد غزة من دمار وقتل فيما مضى، وبذلك لا يزال لبنان يتحمّل فاتورة مغامرات وحروب حزب الله الغالية الثمن.
واليوم يتندر اللبنانيون ويتذكرون اتفاق السابع عشر من أيار، متمنين أن تفضي بداية عملية مفاوضات اليوم إلى أفضل ما قد حمله اتفاق 17 أيار وما حققه سابقًا.

