استدعاء شبح الحرب الأهلية: كيف يُستخدم الخوف لحماية موازين القوة في لبنان؟

الحرب في لبنان

في الذكرى الحادية والخمسين لاندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، يعود استحضار تلك المرحلة الدموية ليس فقط بوصفه استذكارًا للتاريخ، بل كمحاولة لفهم الحاضر المأزوم. يقف لبنان اليوم عند تقاطع حساس بين حرب خارجية تقودها إسرائيل ضد حزب الله على الأراضي اللبنانية، وأزمة داخلية عميقة تتصل بطبيعة السلطة واحتكار القرار الأمني ومستقبل الدولة نفسها.

وفي هذا السياق، لا يمكن التعامل بخفة مع عودة خطاب الحرب الأهلية إلى التداول السياسي، إذ بات هذا الخطاب جزءًا من النقاش العام كلما طُرحت مسألة السلاح غير الشرعي أو إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة.

الخوف كأداة سياسية

عندما تُطرح الفوضى أو الحرب الأهلية كاحتمال ملازم لأي نقاش إصلاحي، يصبح الخوف أداة سياسية واضحة. تلجأ القوى المهيمنة إلى تحويل كلفة التغيير إلى تهديد وجودي، بحيث يبدو أي طرح لإعادة التوازن السياسي مخاطرة تتجاوز قدرة المجتمع على الاحتمال.

يتحوّل الخوف من شعور جماعي مشروع إلى وسيلة ضغط تُستخدم لتعطيل النقاش الجدي حول الإصلاح

بهذا المعنى، يتحوّل الخوف من شعور جماعي مشروع إلى وسيلة ضغط تُستخدم لتعطيل النقاش الجدي حول الإصلاح، ولمنع إعادة النظر في بنية السلطة القائمة.

خطاب التهديد ومؤشرات الاهتزاز

المفارقة أن تصاعد خطاب الحرب الأهلية يتزامن غالبًا مع اهتزاز بيئات سياسية واستراتيجية كانت تتمتع بفائض قوة. فالقوى التي تتعرض لضغط عسكري أو سياسي، أو لتراجع في بيئتها الإقليمية الحاضنة، تميل إلى نقل المعركة نحو الداخل عبر التذكير بكلفة مواجهتها.

وعليه، فإن التهديد بالحرب الأهلية لا يعكس دائمًا موقع قوة، بل قد يكون مؤشرًا على القلق من خسارة النفوذ وتبدّل موازين القوى.

الحرب الخارجية وتعميق منطق الخوف

يرتبط الخطاب الداخلي أيضًا بالحرب الإسرائيلية الجارية، إذ لا يقتصر تأثيرها على الدمار المادي والخسائر الإنسانية، بل يسهم في إنتاج بيئة خوف وفوضى تعيد ترسيخ منطق السلاح كحاجة، والطائفة كملاذ، والتخوين كوسيلة لإسكات المعارضين.

تتراجع الدولة لمصلحة الفاعلين المسلحين، ويتحوّل الأمن من حق عام إلى امتياز

في مثل هذه الظروف، تتراجع الدولة لمصلحة الفاعلين المسلحين، ويتحوّل الأمن من حق عام إلى امتياز تحكمه موازين القوة.

المعادلة الزائفة: القبول أو الانفجار

أخطر ما يواجه لبنان اليوم هو محاولة فرض معادلة زائفة: القبول بالوضع القائم أو الانزلاق إلى الحرب الأهلية. هذه الثنائية عطّلت السياسة اللبنانية لعقود، لأنها تستبدل إدارة الخلاف داخل المؤسسات بتجميد الخلاف تحت تهديد العنف.

رفض الحرب الأهلية لا يعني الصمت أو تعطيل النقد، بل العكس تمامًا. فحماية السلم الأهلي تمرّ عبر توسيع المساحة السياسية المدنية التي تسمح بمساءلة جميع القوى، بما فيها القوى المسلحة، من دون تخوين أو اتهام بتهديد الاستقرار.

السلم الأهلي بين الشرعية والخوف

السلم الأهلي لا يُحمى بإسكات المجتمع، بل ببناء شرعية عامة يشعر المواطنون أنها مرجعهم الوحيد. وعندما تتحول المخاوف الأمنية إلى أداة سياسية، يصبح الاستقرار هشًا ومؤقتًا بدل أن يكون نتيجة عقد اجتماعي جامع.

الدرس الذي لم يُستكمل

لبنان لا يحتاج اليوم إلى من يذكّره بأهوال الحرب الأهلية بقدر ما يحتاج إلى استخلاص درسها الأساسي: كل سلاح خارج الدولة قد يفرض توازنًا مؤقتًا، لكنه يمنع قيام استقرار دائم. وكل قوة تستند إلى الخوف قد تربح لحظة سياسية، لكنها تضعف الدولة التي يفترض أن تحمي الجميع.

بعد واحد وخمسين عامًا، لم يعد السؤال كيف بدأت الحرب الأهلية، بل لماذا ما زال البعض يعتقد أن التهديد بها يمنحه حق تقرير مستقبل لبنان.

السابق
بالأسماء: اسرائيل تدّعي تصفية مئات من كوادر «الحزب»
التالي
بالفيديو: لطمية تهاجم نواف سلام وتثير الجدل.. والشيخ يوسف كنج يفتي عبر «جنوبية» بتحريمها