ما يُروَّج اليوم ليس مجرّد حملة سياسية عابرة، بل عملية منظمة لبناء رواية اتهامية تمهّد لمرحلة أكثر خطورة. حين تبدأ أبواق حزب الله بضخّ سردية تقول إن نواف سلام هو من ضغط على الأميركيين والإسرائيليين لاستثناء لبنان من اتفاق وقف إطلاق النار، فنحن لا نكون أمام تحليل سياسي أو اجتهاد إعلامي، بل أمام محاولة مدروسة لصناعة متهمٍ جاهز، يُلقى عليه عبء ما لا يملكه أصلاً من قرار أو نفوذ.
هذه الرواية ليست فقط كاذبة، بل مبنية على فرضية مهينة للعقل اللبناني. من يملك القدرة الفعلية على التأثير في قرار أميركي إسرائيلي إيراني بهذا الحجم؟ هل هو رئيس حكومة في بلد منهك، اقتصادياً ومؤسساتياً، أم قوى دولية وإقليمية تدير صراعاتها وفق حسابات استراتيجية معقدة؟ الادعاء بأن رئيس الحكومة هو من “أقنع” هذه القوى باستثناء لبنان، ليس سوى محاولة رخيصة لنقل المسؤولية من موقعها الحقيقي إلى موقع الدولة التي تحاول بالكاد أن تبقى قائمة.
في الواقع، من يورّط لبنان في هذه المعادلات ليس رئيس حكومة يسعى إلى تثبيت موقع الدولة، بل من قرر منذ سنوات أن لبنان ليس دولة مستقلة بل جزء من محور إقليمي تقوده إيران، ويتصرف على هذا الأساس. حين يُربط مصير بلد صغير بصراعات كبرى، يصبح تلقائياً عرضة لكل ارتداداتها. لا يحتاج الأمر إلى مؤامرة، بل إلى قرار مسبق بإلغاء السيادة وتحويل الأرض إلى منصة.
من يورّط لبنان في هذه المعادلات ليس رئيس حكومة يسعى إلى تثبيت موقع الدولة، بل من قرر منذ سنوات أن لبنان ليس دولة مستقلة بل جزء من محور إقليمي تقوده إيران
ما يجري اليوم هو محاولة مكشوفة لقلب الوقائع: تحويل المسؤول إلى ضحية، والضحية إلى متهم. يُراد للبنانيين أن يقتنعوا أن المشكلة ليست في سلاح خارج إطار الدولة، ولا في قرار حرب لا يمر عبر المؤسسات، بل في رجل يحاول إعادة الاعتبار لفكرة الدولة. هذا ليس مجرد تضليل، بل تحريض واضح، يهدف إلى شيطنة نواف سلام وعزله سياسياً وشعبياً.
الأخطر في هذه الحملة ليس مضمونها فقط، بل توقيتها وسياقها. في لحظات التوتر الإقليمي، تتحول اللغة السياسية إلى أداة خطرة. حين يُكرَّر اتهام من هذا النوع عبر المنابر والوسائل الإعلامية، يصبح تمهيداً لخطوات لاحقة، تبدأ بالتشويه ولا يُعرف أين تنتهي. التاريخ اللبناني مليء بمحطات تم فيها استخدام الخطاب التخويني كمدخل لاستهداف الشخصيات السياسية، سواء عبر الإقصاء أو ما هو أبعد من ذلك.
من هنا، لا يمكن التعامل مع هذه الحملة بخفة. إن تحميل نواف سلام مسؤولية قرار دولي بهذا الحجم ليس مجرد اختلاف سياسي، بل عملية تضليل ممنهجة، هدفها واضح: الهروب من المسؤولية الحقيقية ورميها على من يمثل، ولو بالحد الأدنى، فكرة الدولة.
الهجوم المعاكس هنا ليس خياراً، بل ضرورة. المشكلة ليست في رئيس حكومة يحاول إعادة وصل لبنان بالشرعية الدولية، بل في من يصرّ على فصله عنها. المشكلة ليست في الدبلوماسية، بل في عسكرة القرار الوطني. المشكلة ليست في “استثناء لبنان”، بل في من جعل لبنان مستباحاً أصلاً، وجعله جزءاً من حرب لا قرار له فيها ولا مصلحة.
الهجوم المعاكس هنا ليس خياراً، بل ضرورة
من يروّج لهذه الأكاذيب يعرف تماماً أنه لا يدافع عن لبنان، بل عن موقعه داخل منظومة إقليمية. يعرف أن أي قيام فعلي للدولة يشكّل تهديداً مباشراً لنفوذه، لذلك يسعى إلى ضرب كل من يرفع هذا المشروع، عبر التخوين أولاً، ثم عبر محاصرته سياسياً، وربما أكثر.
الدفاع عن نواف سلام لا يتعلق بشخصه بقدر ما يتعلق بالمعركة على هوية لبنان. إما أن يكون هذا البلد دولة، بقرار واحد ومؤسسات واحدة، أو يبقى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. هذه ليست معركة نظرية، بل مسألة وجودية تحدد مستقبل كل لبناني.
الرواية التي يتم الترويج لها اليوم سقطت منطقياً قبل أن تكتمل، لكنها تظل خطرة لأنها تخاطب جمهوراً مُعبّأً، وتُبنى على تراكم طويل من الخطاب الشعبوي. لذلك، مواجهتها لا تكون فقط بتفنيدها، بل بكشف الهدف منها، وتسميته بوضوح: إنها محاولة لإسكات أي صوت يطالب بدولة، عبر تحويله إلى متهم.
في النهاية، ما يجري ليس صراعاً بين أشخاص، بل بين مشروعين: مشروع دولة تحاول أن تقوم رغم كل شيء، ومشروع آخر يعيش على منع قيامها. وبين هذين المشروعين، يصبح استهداف نواف سلام مفهوماً، لأنه يمثّل نقيض ما يسعى إليه أصحاب السلاح الخارج عن الدولة. لذلك، فإن الدفاع عنه اليوم هو دفاع عن فكرة لبنان نفسها، لا عن موقع سياسي عابر.

