«النصر المبارك» بين بروبغاندا الشعارات ورماد الواقع: هل انتصر لبنان أم احترق وحيداً؟

الحرب الاسرائيلية
إن النصر الحقيقي الوحيد الذي يمكن أن يطمح إليه اللبنانيون هو نصر الدولة على "الدويلة"، ونصر منطق المحاسبة على منطق الشعارات الجوفاء. أما «النصر الإلهي» المزعوم، فقد أثبتت الوقائع أنه ليس سوى غطاء لدمار وطني شامل، دفع ثمنه اللبنانيون من دمائهم ومستقبلهم، بينما قطف ثمار هدوئه الآخرون في عواصم القرار البعيدة.

مع كل جولة صراع دامية تعصف بلبنان، تطل علينا من بين الركام لغة خشبية مكررة، تحاول صهر الأوجاع والمآسي في قالب “النصر الإلهي” أو “النصر المبارك”.

واليوم، وبينما لا تزال النيران تلتهم القرى الجنوبية والبنى التحتية، وتستمر طائرات الاستطلاع والمسيرات في رسم سيناريوهات الموت فوق رؤوس من تبقى، انطلقت عبر مواقع التواصل الاجتماعي حملات تروج لـ «النصر»، مترافقة مع دعوات “للتريث” في العودة إلى الجنوب.

إن هذه المفارقة السريالية تطرح سؤالاً أخلاقياً وعلمياً ملحاً: أي نصر هذا الذي يُحتفل به والبلاد تقف على أطلال مقدراتها؟

«النصر» كمفهوم.. بين العلم والأيديولوجيا

علمياً وسياسياً، يُقاس النصر بمدى تحقيق الأهداف الاستراتيجية، وحماية الأمن القومي، والحفاظ على سلامة الشعب ومقدرات الدولة.

أما في الحالة اللبنانية الراهنة، فإن “الهزيمة” تبدو واقعاً جلياً في الأرقام والإحصائيات؛ فكيف يمكن ترجمة “النصر” في بلد فقد سيادته الجوية والبرية، ونزح منه أكثر من مليون إنسان، ودُمّرت فيه أحياء كاملة سُوّيت بالأرض؟

إقرأ أيضا: «زحفًا نحو القدس» أم تعميمًا للخراب: كيف حوّلت إيران الشيعة العرب إلى وقود في حروبها

إن محاولة فرض مصطلح «النصر المبارك» في وقت يعاني فيه الناس من فقدان المأوى والأحباء هي عملية “تخدير أيديولوجي” تهدف إلى الهروب من المحاسبة.

النصر لا يكون بالبقاء على قيد الحياة تحت الأنقاض، بل بالقدرة على منع العدو من الوصول إلى هذه الأنقاض أصلاً.

إن “فائض القوة” الذي تم الترويج له طويلاً، لم يمنع إسرائيل من “القضاء على الأخضر واليابس”، مما يجعل مصطلح النصر مجرد أداة دعائية للاستهلاك المحلي، بعيدة كل البعد عن المعايير العسكرية والسياسية المتعارف عليها.

إيران ولبنان: اتفاق الكبار واحتراق الصغار

المفارقة الأكثر إيلاماً في المشهد الحالي هي “انفصال الساحات” بعد طول ترويج لـ “وحدتها”. فبينما جلست طهران مع واشنطن على طاولة التفاوض في إسلام آباد، وأبرمت اتفاقاً لتعليق العمليات العسكرية المباشرة لضمان أمنها القومي وحماية مفاعلاتها ومنشآتها النفطية، تُرك لبنان وحيداً تحت النار.

لقد زج «حزب الله» بلبنان في أتون هذا الصراع تحت عنوان “مساندة إيران” وتارة أخرى كـ “خط دفاع عن المحور”، لكن النتيجة كانت صادمة: إيران أنهت حربها المباشرة، وحمت مصالحها، بينما بقي الجنوب اللبناني ساحة مستباحة للعمليات البرية والجوية الإسرائيلية.

هنا يبرز السؤال الأخلاقي: كيف يمكن لمن يدعي الانتماء للوطن أن يروج لـ «نصر مبارك» في وقت يتم فيه استنزاف بيئته وشعبه كـ “أكياس رمل” في خدمة أجندة إقليمية تجاوزت لبنان عند أول منعطف تفاوضي؟

السقوط الأخلاقي في الترويج للأوهام

أخلاقياً، يعد الترويج للنصر وسط الجثث والدمار نوعاً من “الاستفزاز الإنساني”. إن العائلات التي فقدت أبناءها، والشباب الذين أصيبوا بإعاقات دائمة، والمزارعين الذين احترقت أراضيهم بالفوسفور، لا يجدون في عبارات «انتصاركم مبارك» سوى ملح يُرش على جراحهم. إن هذا النهج يعكس انفصالاً تاماً عن الواقع، وتكريساً لثقافة الموت على حساب ثقافة الحياة وبناء الدولة.

إقرأ أيضا: «المسمار الأخير».. كيف انسلخ حزب الله عن لبنانيته في أروقة الإقليم؟

إن “الهزيمة” الحقيقية ليست فقط في تدمير الحجر، بل في تدمير منطق الدولة وإخضاع مصير شعب كامل لقرارات تُتخذ خلف الحدود.

لقد استنفد لبنان كل مقدراته؛ اقتصاده منهار، مؤسساته مشلولة، وبنيته الاجتماعية ممزقة بفعل النزوح والدمار. فإذا كان هذا هو ثمن “النصر”، فماذا عساها تكون الهزيمة؟

نحو وعي حقيقي بالواقع

إن الدعوات المنتشرة لعدم العودة إلى الجنوب “حالياً” هي بحد ذاتها اعتراف ضمني بأن الأرض ليست آمنة، وأن العدو لا يزال يمتلك اليد الطولى. لذا، فإن المطلوب اليوم هو الكف عن بيع الأوهام للناس.

لبنان يحتاج إلى مكاشفة وطنية شجاعة تعترف بأن الانجرار وراء صراعات المحاور لم يجلب سوى الخراب.

إن النصر الحقيقي الوحيد الذي يمكن أن يطمح إليه اللبنانيون هو نصر الدولة على “الدويلة”، ونصر منطق المحاسبة على منطق الشعارات الجوفاء. أما «النصر الإلهي» المزعوم، فقد أثبتت الوقائع أنه ليس سوى غطاء لدمار وطني شامل، دفع ثمنه اللبنانيون من دمائهم ومستقبلهم، بينما قطف ثمار هدوئه الآخرون في عواصم القرار البعيدة.

السابق
إنذار عاجل لسكان جنوب نهر الزهراني بالإخلاء فوراً.. أدرعي: وقف إطلاق النار مع إيران لا يشمل لبنان والعمليات البرية مستمرة
التالي
إنذار إسرائيلي عاجل إلى سكان الضاحية.. دعوة للإخلاء الفوري!