لم تعد المسألة قابلة للتجميل، ولا تحتمل المناورة بين الاحتمالات أو الالتفاف على الوقائع. ما جرى خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وما بلغ ذروته بين عامي 2023 و2026، يكشف حقيقة صارخة واحدة:
المشروع الإيراني في العالم العربي لم يكن مشروع تمكين أو تحصين أو اقتدار، بل مسارًا منهجيًا نحو التفكيك والشرذمة على المستويات الدينية والسياسية والاقتصادية. هذا المسار لم يكن دفعة واحدة، بل تدرّج عبر سلسلة من الظواهر المتراكمة، يمكن اختصارها بسبع محطات كبرى شكّلت، معًا، بنية هذا المشروع ومآلاته:
1) تخريب العقيدة والمذهب
بدأت العملية من الداخل الشيعي نفسه. فبدل الحفاظ على التعددية التاريخية داخل المذهب الجعفري، جرى فرض نموذج أحادي يقوم على الولاء السياسي المغلّف بالدين، وهو المعنى الحقيقي ل “ولاية الفقيه “. هكذا تحوّل الدين من فضاء اجتهاد إلى أداة تعبئة، وصودرت الرموز التاريخية لتُسخّر في خدمة التحشيد. ولم يعد الانتماء المذهبي هوية دينية، بل أصبح انتماءً سياسيًا مرتبطًا بمركز خارجي.
كانت النتيجة توترًا غير مسبوق بين الشيعة وبقية الطوائف و المسلمين، وانهيارًا متسارعًا للثقة داخل المجتمعات المختلطة. ولم يعد الصراع سياسيًا، بل انزلق إلى مستوى وجودي.
في العراق ولبنان، لم يعد الخلاف قابلاً للاحتواء، بل تحوّل إلى انقسام مجتمعي عميق، يُعاد إنتاجه بخطاب ثنائي حاد بين “أحفاد الحسين” و”أحفاد يزيد”، رغم أن الوقائع التاريخية نفسها تناقض هذا التبسيط الحاد، حيث قام العباسيون عند تاسيس دولتهم بابادة كل افراد بني امية وقطع نسلهم.
2) التخوين كأداة قمع شاملة
لفرض هذا التحول، كان لا بد من أداة قمع فعالة: التخوين. كل من رفض الانخراط في المشروع الإيراني وُضع في خانة “العميل”، من مراجع دينية ومثقفين وسياسيين، وصولًا إلى أفراد عاديين داخل البيئة الشيعية نفسها. لم يكن الهدف توصيف واقع، بل إغلاق المجال العام بالكامل.
مصطلحات مثل “شيعة السفارة” لم تكن توصيفًا اجتماعيًا، او تهمة تحتاج دليل إثبات او براءة، بل سلاحًا لإلغاء أي معارضة داخلية. وهنا وقع التحول الأخطر: لم يعد الخلاف داخل الطائفة ممكنًا، بل أصبح جريمة أخلاقية وسياسية.
3) تزييف الوعي وتصنيع جمهور صدى
بالتوازي، جرى تفريغ الوعي العام من أي قدرة نقدية. لم يعد الإعلام وسيلة نقل للوقائع، بل آلة تكرار وتعبئة، وخط تماس في معركة سياسية. لم يعد الخطاب نقاشًا، بل تلقينًا، وتم شحن الجمهور بخليط من التقديس السياسي وشيطنة الآخر، وربط الدين بالخيارات السياسية اليومية، بحيث يصبح أي اعتراض خيانة!. وهكذا، لم يعد الناس شركاء في القرار، بل تحوّلوا إلى صدى لصوت واحد متفرّد، وجماهير جاهزة للتعبئة عند الطلب.
4) الشتيمة والغوغاء كأدوات ضبط المجال العام
ولإحكام السيطرة على الفضاء العام، جرى استخدام الشتيمة كسلاح منهجي، ظهرت جيوش إلكترونية، بأسماء مستعارة وحسابات وهمية، تقدّم نفسها كـ”رأي عام”، بينما هي في الحقيقة حملات منظمة، وممولة هدفها الترهيب.
تكامل هذا مع حضور غوغائي في الشارع،لارتال من الرويبضة والهاتفين شيعة شيعة!، يُستخدم لقمع أي حراك أو اعتراض، عبر شعارات واستعراضات قوة، تُرهب المختلف وتدفعه إلى الصمت. هكذا جرى إقفال المجال العام، ليس بالحجة، بل بالترهيب.
5) العزل الاجتماعي والحصار الاقتصادي.
ولم يقتصر الأمر على الترهيب المعنوي والإعلامي، بل امتد إلى مستوى أكثر قسوة وخطورة، تمثّل في اعتماد سياسة العزل الاجتماعي والحصار الاقتصادي لكل معارض.
فلم يعد المختلف في الرأي يواجه فقط حملات التشهير، بل أصبح عرضة لمحاولات اقتلاعه من بيئته الاجتماعية نفسها، عبر دفع أقربائه وعائلته إلى التبرؤ منه وإدانة مواقفه، بما يحوّل الخلاف السياسي إلى قيعة اجتماعية قسرية. وبما يكلف العائلات بضبط مواقف ابنائها والزامهم بالصمت والخضوع.
وبالتوازي، جرى تشجيع أنصار الحزب على مقاطعة المعارضين اقتصاديًا ومهنيًا: عدم التعامل معهم، الامتناع عن الشراء منهم أو البيع لهم، وحرمانهم من فرص العمل والتعاون. وهكذا تحوّل الضغط من مجرد أداة سياسية إلى نظام عقابي متكامل، يستهدف معيشة الفرد واندماجه الاجتماعي، بهدف إخضاعه أو عزله بالكامل.
بهذه الآليات، لم يعد القمع محصورًا بالمجال العام، بل تسلّل إلى النسيج الاجتماعي والاقتصادي، ما جعل كلفة الاعتراض باهظة إلى حدّ يدفع كثيرين إلى الصمت أو الانكفاء.
6) الخداع والنفاق وازدواجية المعايير
في الواجهة، رُفعت شعارات كبرى: تحرير فلسطين، الدفاع عن المستضعفين، حماية المقدسات. وتكرّرت عناوين من قبيل: “سنصلي في القدس”، “إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت”، “تسوية تل أبيب بالأرض”، و”احتلال الجليل”. استهداف المرشد خط أحمر!
الواقع كشف فجوة هائلة بين الشعار والممارسة
لكن الواقع كشف فجوة هائلة بين الشعار والممارسة. فبدل مواجهة العدو الخارجي، جرى الانخراط في حروب داخلية عربية، ودعم أنظمة قمعية، وتحويل المقاتلين إلى أدوات في صراعات لا علاقة لها بأوطانهم.
تآكلت صورة “المقاتل النبيل” مع انكشاف شبكات فساد وتهريب ومخدرات داخل البيئات المرتبطة بهذا المشروع، ما أظهر أن الخطاب الأخلاقي لم يكن سوى غطاء لممارسات نقيضة تمامًا.
7) هندسة الفوضى الإقليمية المفتوحة
بلغ هذا المسار ذروته بين 2023 و2026. فمنذ عملية “طوفان الأقصى”، بدا الحدث وكأنه تحوّل تاريخي، لكن نتائجه كانت كارثية: دمار شامل في غزة، عشرات آلاف الضحايا، وانهيار كامل لمقومات الحياة، من دون أي إنجاز تحريري فعلي.
في لبنان، انخرط حزب الله في “حرب إسناد” لم يقررها اللبنانيون، فكانت النتيجة مئات القتلى، مئات آلاف النازحين، وتدمير الجنوب، مع شلل اقتصادي واسع.
أما في العراق واليمن، فقد ترسّخ تحوّلهما إلى ساحات مفتوحة للصراع، مع تصاعد الفوضى وتهديد الملاحة في البحر الأحمر، ما انعكس اضطرابًا في التجارة العالمية وارتفاعًا في أسعار النفط.
الذروة جاءت مع الحرب الكبرى في عام 2026، حيث أدى اغتيال السيد علي خامنئي إلى انفجار إقليمي
لكن الذروة جاءت مع الحرب الكبرى في عام 2026، حيث أدى اغتيال السيد علي خامنئي إلى انفجار إقليمي شامل: تعطّلت الملاحة في مضيق هرمز، وحدث شلل اقتصادي عالمي، وتوسّعت الجبهات، وسقط مزيد من الضحايا.
وهنا تكشّفت الحقيقة الصادمة: المشروع الذي قُدّم كدرع حماية للمنطقة، كان هو نفسه العامل الأكثر تفجيرًا لها.
الخلاصة
بعد كل هذه السنوات، يمكن تلخيص النتيجة بلا مواربة:
لم تتحرر فلسطين. لم تُبنَ دول قوية. لم تتحسن حياة الشيعة العرب. بل حدث العكس تمامًا:
دول منهارة، مجتمعات ممزقة، اقتصادات مدمّرة، وشعوب تُدفع إلى حروب لم تخترها.
اما ايران نفسها فقد دفعها نظام الموالي الى خراب سيدوم طويلا…
ما جرى لم يكن مجرد صراع مذهبي أو خلاف سياسي عابر، بل نموذج متكامل لمشروع يستخدم الدين كأداة، ويستثمر في الانقسام
ما جرى لم يكن مجرد صراع مذهبي أو خلاف سياسي عابر، بل نموذج متكامل لمشروع يستخدم الدين كأداة، ويستثمر في الانقسام، ويعيش على الحروب.
لقد خرّب هذا المشروع العلاقات داخل المجتمعات، خوّن المعترضين، فرّغ الوعي العام، فرض الاخضاع والصمت بالخوف، خدع الناس بالشعارات، ثم دفع الجميع إلى حروب دفعت الشعوب أثمانها الباهظة.
السؤال اليوم لم يعد: هل نجح هذا المشروع؟
بل: كم سيستغرق العالم العربي ليتعافى من نتائجه؟

