بعد مرور شهر على اشتعال فتيل المواجهة، لم تعد الأسئلة في الشارع الإيراني تدور حول “وقوع الحرب” من عدمها، بل حول «كلفة البقاء» في ظل كماشة ثلاثية الأطراف: قمع أمني متصاعد، انهيار اقتصادي متسارع، وقلق وجودي من استهداف البنية التحتية. تقارير الوكالات الدولية، ومنها “فرانس برس”، ترسم صورة قاتمة لبلاد تعيش حالة “انتظار ثقيل” خلف أبواب مغلقة وإنترنت مقيد.
ورغم أن المظاهر الجوفاء للحياة المستمرة (مقاهٍ مفتوحة، توفر حصص الوقود والكهرباء) لا تزال قائمة، إلا أن الروح العامة في طهران أصيبت بالشلل.
- سيكولوجيا الاعتياد: يصف السكان أصوات الانفجارات والصواريخ بأنها باتت “جزءاً من الروتين اليومي”، وهو أخطر أنواع التكيف النفسي الذي يعكس حالة من اليأس الجماعي.
- المدن الفارغة: مع حلول التاسعة مساءً، تتحول العاصمة إلى مدينة أشباح؛ ليس بسبب حظر تجوال رسمي، بل بفعل النزوح الداخلي الطوعي أو الانكفاء داخل المنازل خوفاً من المجهول.
إرهاب البنية التحتية والموت الاقتصادي
يتوحد الإيرانيون، معارضين ومؤيدين، على هاجس واحد: استهداف قطاع النفط والغاز.
- تبخر الدخل: الطبقة المتوسطة التي كانت تعتمد على التجارة الإلكترونية (مثل “غلنار” في التقرير) وجدت نفسها بلا دخل منذ شهرين. الترفيه بات من الرفاهيات المنسية، والجهد كله منصبّ على “تأمين الكفاف”.
- السياحة المشلولة: في مناطق مثل جزيرة “قشم”، فرغت الفنادق والمقاهي، وباتت مرافق السياحة مجرد محطات انتظار لمن تقطعت بهم السبل، وسط اضطرابات متقطعة في إمدادات الوقود.
شرطة العقول.. القمع الذي يسبق الصواريخ
المستجد الأبرز والأكثر رعباً بالنسبة للمواطن الإيراني ليس الطائرات المغيرة، بل «نقاط التفتيش الداخلية».
- الاستباحة الرقمية: تحول رجال الأمن إلى “قضاة ميدانيين” يفتشون الهواتف، الملاحظات الشخصية، الصور المخفية، وحتى تطبيقات اليوغا والتأمل.
- رسالة النظام: انتشار القوات الأمنية المكثف يهدف إلى وأد أي محاولة للتحرك الشعبي، وإيصال رسالة مفادها أن “النظام لن يسقط بالسيناريوهات المتخيلة”.
فوبيا “الاتفاق السياسي” واستنزاف النخبة
ويسود قلق عميق بين المعارضين والفنانين (مثل “كاوه”) من تداعيات أي تسوية محتملة بين طهران وواشنطن.
- المقايضة المرفوضة: يخشى الداخل أن يأتي أي اتفاق إقليمي على حساب “الحريات الداخلية”، بحيث تُمنح السلطة الضوء الأخضر لتصفية المعارضة وتشديد القبضة الأمنية مقابل تنازلات نووية أو عسكرية.
- الهجرة كخيار أخير: تزايدت حالات المغادرة القسرية للنخب (أطباء، فنانين، مدربي رياضات روحية) هرباً من “الاستحالة” التي وصلت إليها الحياة.
التعتيم المعلوماتي.. العيش في “فقرة” معزولة
مع استمرار القيود الحديدية على الإنترنت ومنع الصحافة المستقلة، يعيش الإيرانيون في عزلة معلوماتية.
- غياب الحقيقة: الاعتماد على الروايات الفردية المسربة يعكس صعوبة توثيق حجم المعاناة الحقيقي، مما يجعل الشعب الإيراني “عالقاً” بين قوى إقليمية ودولية متصارعة، بينما تضيع هويته واستقراره النفسي في زحام الصواريخ.
إيران اليوم لا تخوض حرباً عسكرية فحسب، بل تخوض «حرب استنزاف نفسية ومعيشية». المواطن الذي نجح في النجاة من الانفجارات، يجد نفسه محاصراً في “تفتيش أمني” أو غارقاً في “ديون اقتصادية”، مما يجعل الشعور السائد هو “العجز الكامل” أمام قدر لا يملكون فيه حق الاختيار.

