لا يقتصر الحديث عن الأصوات المعارضة على الرجال والنساء المخضرمين الذين التهمهم الضوء على مدى عقود، وصاروا المرجعيّة الجاهزة كلّما حان الوقت للحديث عن حزب الله وعقيدته وسلوكيّاته السياسيّة والعسكريّة، الهادفة إلى تغليب منطق الدويلة على الدولة.
ففي مقابل هذه الوجوه المكرّسة، ينتفض صوت جديد وشابّ، صوتٌ نسائيّ قادم من خارج السياسة التقليديّة، من عالم الإخراج والتصميم والفنّ، حيث الثقافة هي الحياة نفسها، ومساحة التعبير هي البحث الدائم عن فضاءٍ حرّ.
من الفنّ إلى المواجهة
رشا هاشم، الناشطة الشابّة الآتية من مدينة صور، لم تدخل المجال العام من بوابة الشعارات الكبرى، بل من اهتمامها بالبيئة، بالبحر، وبالحياة اليوميّة لمدينتها ومقاهيها وناسها.
منذ حرب الإسناد على الأقل، اختارت أن تقول: “لا لحروب الآخرين على أرضنا”. دافعت عن كلّ معارض في صور والجنوب عمومًا، وتصدّت لمحاولات التخوين وتشويه السمعة، لتتحوّل تدريجيًّا إلى صوتٍ أنثويّ متقدّم في التضامن والدعم.
اليوم، وبعد استهداف الاحتلال الإسرائيلي منزلها في بلدة العامريّة وأملاك عائلتها في غارة قيل إنّ سببها وجود بعض “المقاومين” في الموقع من دون علم مسبق من أصحاب المنزل، قرّرت رشا رفع صوتها أكثر من أيّ وقت مضى.
صور… الذاكرة المشتركة وبداية الحكاية
عرفتُ رشا منذ سنوات، وكانت مدينة صور الجامعة بيننا. التقينا في ندوات سياسيّة وفكريّة عدّة نظّمها منتدى صور الثقافي، حيث ظهرت شابّة قلقة على مدينتها، غير منفصلة عن قضاياها اليوميّة.
لم تكن صفحتها الشخصيّة على فايسبوك سوى مساحة للنقد الساخر، الذي تحوّل تدريجيًّا إلى نقد سياسيّ مبطّن خلال حرب الإسناد وما تلاها من حرب أيلول 2024 على لبنان.
رشا هاشم، الناشطة الشابّة الآتية من مدينة صور، لم تدخل المجال العام من بوابة الشعارات الكبرى، بل من اهتمامها بالبيئة، بالبحر، وبالحياة اليوميّة لمدينتها ومقاهيها وناسها.
معارضة بلا استعراض
لم تكترث رشا يومًا لردود الفعل على آرائها. كانت معارضة، لكنّها لم تسعَ إلى لعب دور رأس الحربة. حاولت تدوير الزوايا، وتمرير رسائلها بحذر، حفاظًا على سلامتها وسلامة عائلتها في بيئة لا تتسامح بسهولة مع الاختلاف.
لكن الحرب المدمّرة حاليا التي اندلعت قبل شهر، شكّلت نقطة تحوّل حاسمة.
حين يصبح الدمار موقفًا
بعد تدمير منزلها، تغيّر خطاب رشا هاشم جذريًّا. صار مباشرًا وواضحًا، بلا استعارات ولا مواربة. كتبت عن بيتها المدمّر على صفحتها بأسلوب مؤثّر، مستعيدة ذكرياتها فيه بعفويّة وانفعال إنسانيّ صادق.
لم تشترِ الضوء بكلماتها كما فعل كثيرون. حوّلت دموعها إلى غضبٍ واعٍ ومواجهة هادئة، واكتفت بأن تقول “لا” من دون استثمار المأساة لتحقيق مكاسب شخصيّة.
إنسانيّة في مواجهة الحرب
حافظت رشا على روحها الغيريّة، فاستمرّت في مساعدة الآخرين لتأمين المأكل والمسكن والطبابة، واضعة الفعل الإنسانيّ قبل الخطاب السياسيّ.
هي لا تبحث عن البطولة، بل تمارس مسؤوليتها الأخلاقيّة تجاه مجتمعها.
لم تكترث رشا يومًا لردود الفعل على آرائها. كانت معارضة، لكنّها لم تسعَ إلى لعب دور رأس الحربة. حاولت تدوير الزوايا، وتمرير رسائلها بحذر، حفاظًا على سلامتها وسلامة عائلتها في بيئة لا تتسامح بسهولة مع الاختلاف.
صوت جبل عامل الأنثويّ الجديد
اليوم تسطع رشا هاشم في العتمة، غير مكترثة بمزاجيّة وسائل التواصل الاجتماعي أو الإعلام في صناعة الأبطال. ترثي بيتها كأنّه مدينة كاملة، وتتحدّى بروح البقاء كلّ محاولات طمس الدمار.
بصوتها، ومع أخريات، يعود إلى جبل عامل صوته الأنثويّ الرافض للقيد، المتمرّد على الذكوريّة والعنهجيّة المفروضة باسم السلاح والمقاومة، والمنادي بحريّةٍ أبديّة، خالية من الهواء الأصفر.

