بعد مرور شهر على اندلاع حرب “العصف المأكول” التي أطلقها حزب الله ردًا على اغتيال المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، تبدو الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية وقد دخلت مرحلة جديدة من التصعيد المفتوح، حيث لم تعد المواجهة محصورة بقواعد الاشتباك التقليدية، بل تحوّلت إلى محاولة لإعادة رسم الجغرافيا العسكرية والأمنية للجنوب اللبناني.
في الميدان، يواصل الجيش الإسرائيلي توسيع نطاق عملياته البرية والجوية، مستهدفًا ما يسميه “مراكز ثقل حزب الله”، عبر فرق عسكرية متعددة، في وقت يحافظ فيه الحزب على وتيرة مرتفعة من إطلاق الصواريخ وتنفيذ عمليات دفاعية مركّزة عند خطوط التماس. هذه المعادلة المتفجّرة تعكس انتقال الصراع من مرحلة الردع المتبادل إلى مرحلة كسر الإرادات.
مشروع “المنطقة العازلة”… من فكرة إلى خطة تنفيذ
أخطر ما كشفه الشهر الأول من الحرب لا يكمن فقط في حجم النيران، بل في طبيعة الأهداف الإسرائيلية المستجدة. فقد أظهرت تسريبات إعلامية إسرائيلية أن الجيش يعمل على إعداد خطة لتدمير القرى الحدودية في جنوب لبنان، تمهيدًا لإنشاء منطقة أمنية بعمق يتراوح بين 3 و8 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
هذه الخطة، التي يُنتظر عرضها على الحكومة الإسرائيلية، تهدف إلى منع عودة السكان إلى القرى الحدودية، وتحويل الشريط الحدودي إلى مساحة خالية تُستخدم كحاجز أمني دائم. اللافت أن هذا التوجه يترافق مع تصريحات إسرائيلية غير مسبوقة تقلّل من أولوية نزع سلاح حزب الله في هذه المرحلة، ما يشير إلى تحول استراتيجي من استهداف القدرات إلى إعادة تشكيل الأرض.
حصيلة بشرية ثقيلة… ونزوح غير مسبوق
إنسانياً، يدفع لبنان ثمنًا باهظًا. فقد تجاوز عدد القتلى 1200 شخص، بينهم أطفال ونساء، إضافة إلى آلاف الجرحى، في وقت تتسع فيه رقعة النزوح بشكل غير مسبوق، مع أكثر من مليون نازح داخل البلاد، ومئات آلاف الفارين نحو سوريا.
ولا تقتصر الخسائر على المدنيين، إذ طالت الضربات كوادر عسكرية بارزة في حزب الله، ضمن ما يُعرف باستراتيجية “قطع الرأس”، التي تستهدف البنية القيادية للحزب، واعلن الجيش الاسرائيلي عن قتله لـ 1000 عنصر في حزب الله في شهر واحد.
كما لم تسلم قوات “اليونيفيل” والجيش اللبناني من تداعيات القصف، ما يعكس اتساع دائرة الخطر، حيث تم الإعلان عن مقتل 3 جنود من قوات اليونيفيل على الأقل في حوادث منفصلة ناتجة عن مقذوفات وإطلاق نار حدودي في أواخر مارس 2026، كما تم توثيق مقتل ما لا يقل عن 3 جنود لبنانيين في حادثة واحدة منتصف شهر آذار/مارس 2026، بالإضافة إلى إصابة آخرين.
تدمير ممنهج… وعزل الجنوب تدريجيًا
على مستوى البنية التحتية، تشير المعطيات إلى دمار واسع طال أكثر من ربع المباني في جنوب لبنان مع ونزوح 600 الف مواطن جنوبي الى اماكن اكثر امنا في لبنان، إضافة إلى تدمير آلاف المنشآت المدنية من منازل ومدارس ومرافق حيوية. كما استهدفت الغارات جسورًا ومحاور رئيسية، في خطوة تبدو جزءًا من خطة متكاملة لعزل الجنوب عن باقي الأراضي اللبنانية.
هذا العزل لا يقتصر على الجانب الجغرافي، بل يمتد إلى البعد الاقتصادي والبيئي، حيث تضررت مساحات زراعية شاسعة، وسُجّلت مستويات خطيرة من التلوث، ما ينذر بكارثة طويلة الأمد تتجاوز زمن الحرب.
نحو الليطاني… إعادة إحياء خطوط 2006
سياسيًا وعسكريًا، تعود إلى الواجهة أهمية نهر الليطاني كخط فصل محتمل. فالتصريحات الإسرائيلية الأخيرة، سواء من وزير الدفاع أو رئيس الحكومة، تشير إلى نية واضحة لإقامة شريط أمني يمتد حتى هذا النهر، في استعادة معدّلة لمفاهيم ما بعد حرب 2006، ولكن بصيغة أكثر تشددًا وواقعية ميدانية.
ويعكس هذا التوجه محاولة لفرض أمر واقع جديد، يتجاوز القرار الدولي 1701 الذي لم يُطبّق بالكامل، ويؤسس لمرحلة قد تشهد وجودًا إسرائيليًا طويل الأمد داخل الأراضي اللبنانية، ولو بشكل غير معلن.
حزب الله تحت الضغط… واستراتيجية الاستنزاف
في المقابل، يعتمد حزب الله على استراتيجية هجينة تجمع بين الهجمات الصاروخية والعمليات النوعية، مع تجنب الانخراط في مواجهة برية شاملة. إلا أن الضربات الإسرائيلية المكثفة تستهدف عمق بنيته العسكرية واللوجستية، وصولًا إلى مؤسساته المالية والاجتماعية.
هذا الضغط المتزايد يضع الحزب أمام تحدي الحفاظ على قدرته العملياتية، في ظل استنزاف مستمر، ومحاولة إسرائيلية واضحة لفصل بيئته الحاضنة عنه عبر ضرب مقومات الصمود المدني.
الدولة اللبنانية… حضور خجول في معركة كبرى
في خضم هذا المشهد، تبدو الدولة اللبنانية شبه غائبة عن إدارة الصراع. فبين قرارات سياسية حساسة، كحظر الأنشطة العسكرية لحزب الله، وخطوات دبلوماسية تجاه إيران، تحاول بيروت استعادة جزء من سيادتها، لكنها تصطدم بواقع ميداني يتجاوز قدراتها.
ومع استمرار الحرب، يجد لبنان نفسه أمام معادلة معقّدة: بلد محاصر بين آلة عسكرية إسرائيلية تسعى لإعادة رسم حدوده الأمنية، ونفوذ إيراني متجذّر، وحزب الله متمسك بخيار المواجهة، مهما كانت الكلفة.
حرب تغيّر شكل الجنوب..وربما لبنان
بعد شهر واحد فقط، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل تحوّلت إلى مشروع لإعادة تشكيل الجنوب اللبناني ديموغرافيًا وأمنيًا. وبينما تتكثف الضربات وتتسع رقعة النزوح، يبرز خطر أن يصبح “الشريط العازل” واقعًا دائمًا، لا مجرد خطة عابرة.
في هذا السياق، لا تبدو نهاية الحرب قريبة، بل إن المؤشرات توحي بأن لبنان دخل مرحلة جديدة، عنوانها صراع طويل، تتداخل فيه الجغرافيا بالسياسة، وتُرسم فيه خرائط المستقبل بالنار.

