أصبح لدينا تاريخ جديد يتعلق بالاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. فقد أعلنت إسرائيل، في 22 آذار الجاري، أنها قصفت أكبر الجسور على نهر الليطاني في منطقة القاسمية الساحلية، إيذانًا بانطلاق نشوء حزام أمني على غرار أحزمة مماثلة، بدءًا من عملية الليطاني عام 1978، ما أدى إلى ولادة القرار 425، والذي لم يُبصر تنفيذه النور إلا بعد 22 عامًا، وتحديدًا عام 2000. بعد مضي نحو 48 عامًا، هل سيعيش لبنان عمومًا، والجنوب خصوصًا، تجربة مماثلة؟ وإذا كان الجواب إيجابًا، فهل سيمضي الجنوبيون 22 عامًا على الأقل كي يشهدوا زوال الاحتلال وعودة الجنوب محررًا كما حصل عام 2000؟
صيحة المقاومة… والسؤال عن الزمن الضائع
تتصاعد من بقايا “حزب الله” صيحة المقاومة مجددًا، لكن من دون تقديم جواب حول الزمن الذي ستستغرقه المقاومة مجددًا كي ينجز التحرير الذي عشنا مثله قبل 26 عامًا. وفي المقابل، تمضي إسرائيل بلا هوادة إلى ترتيب أوضاع الحزام الأمني الجديد، الذي سيشمل كامل المنطقة جنوب نهر الليطاني. وأفاد إعلاميون من وسائل إعلام عربية ودولية، أمس، أنهم قرروا إنهاء تمركزهم في أبل السقي المجاورة للخيام، والانتقال إلى حاصبيا، بعدما انتهت عمليًا معارك الخيام، حيث يعمل الاحتلال الإسرائيلي على تدمير كل العمران في البلدة، وهو ما لم يفعله سابقًا منذ نشأة الدولة العبرية عام 1948.
تثبيت وقائع الاحتلال جنوب الليطاني
يتعيّن، من الآن فصاعدًا، متابعة ما ستقوم به إسرائيل في الجنوب المحتل. وفي هذا الإطار، رسم تقرير نشره اليوم موقع “تايمز أوف إسرائيل” إطارًا شاملًا لمسار الأحداث جنوب الليطاني. وقال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، الفريق إيال زامير، في تصريحات صدرت مساء الأحد، إن قتال إسرائيل ضد “حزب الله” “بدأ للتو”، وقال إن الأخير، وليس إسرائيل، “هو المسؤول عن إلحاق الضرر بلبنان”.
أضاف: “إن إيران هي جهدنا الأساسي. كما أن الساحة الشمالية هي ساحة مركزية أخرى. هما مترابطان”. وتابع: “يشكل تنظيم حزب الله الإرهابي وكيلًا مركزيًا للنظام الإرهابي الإيراني، وقد ارتكب خطأ فادحًا عندما قرر الانضمام إلى الحملة ضد إسرائيل. هذا الاختيار يضر به وبدولة لبنان ككل. الرسالة واضحة: لا يوجد ملاذ آمن للنظام الإيراني ووكلائه، وأي تهديد للمواطنين الإسرائيليين سيُقابل برد فعل حازم ودقيق وقوي”، وفقًا لتصريحات نشرها الجيش.
تتصاعد من بقايا “حزب الله” صيحة المقاومة مجددًا، لكن من دون تقديم جواب حول الزمن الذي ستستغرقه المقاومة مجددًا كي ينجز التحرير الذي عشنا مثله قبل 26 عامًا.
وقالت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، في تقييم للطبقة السياسية، إن “حزب الله” سيحاول في الأيام القادمة إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية والمرافق الحساسة في إسرائيل، حسبما أفادت قناة 12 يوم أمس الأحد، نقلًا عن مصدر أمني. ووفقًا للتقرير، سيكون “حزب الله” مستعدًا للانخراط في الدبلوماسية لإنهاء القتال في لبنان فقط إذا تم التوصل إلى اتفاق كجزء من اتفاق إقليمي أوسع يشمل إنهاء الحرب في إيران. ويطلق “حزب الله” في المتوسط حوالي 150 صاروخًا يوميًا، وفقًا للجيش الإسرائيلي. ويجري توجيه حوالي ثلثي إطلاق الصواريخ اليومي نحو القوات الإسرائيلية العاملة في جنوب لبنان وعلى طول الحدود، بينما الثلث المتبقي موجه نحو إسرائيل. ويعتقد الجيش الإسرائيلي أن “حزب الله” لا يزال يمتلك آلاف الصواريخ قصيرة المدى، إلى جانب مئات القذائف بعيدة المدى. قال الجيش الإسرائيلي إن “حزب الله” يشن معظم هجماته من أعماق جنوب لبنان، وليس من قرب الحدود.
830 ألف نازح: الجنوب يفرغ من أهله
قبل أسبوع من تكريس إسرائيل قطع الجسور بين شمال الليطاني وجنوبه، أعدّ عبد اللطيف ضاهر تحقيقًا في بيروت، نشرته “النيويورك تايمز”، حمل عنوان: “نشتاق إلى الوطن – اللبنانيون النازحون يواجهون شوارع باردة ومستقبلًا غير مؤكد، وأدت الدعوات الإسرائيلية لإخلاء مساحات شاسعة من جنوب لبنان إلى فرار 830,000 شخص، أي حوالي 14 بالمئة من سكان لبنان”.
“حزب الله” لا يزال يمتلك آلاف الصواريخ قصيرة المدى، إلى جانب مئات القذائف بعيدة المدى. قال الجيش الإسرائيلي
وجاء في التحقيق: “جلست فداء ملحص مساء على مقعد مهترئ يطل على البحر الأبيض المتوسط في بيروت، عاصمة لبنان. وتنتمي السيدة ملحص، البالغة من العمر 38 عامًا، إلى بلدة صديقين، قضاء صور، حيث تعمل في سوبرماركت. مثل كثيرين في أنحاء البلاد، تم تهجيرها بسبب الغارات الجوية الإسرائيلية. وبدون مأوى في بيروت، كانت تنام في الهواء الطلق بجانب الشاطئ. وقالت ملحص: “نحن نحب أرضنا، لكن لا يُسمح لنا أبدًا بالعيش عليه بسلام”.
مخاوف من احتلال طويل الأمد
ويتساءل مئات الآلاف من اللبنانيين النازحين متى قد يعودون إلى وطنهم، ويخشون تقارير عن احتمال غزو إسرائيلي بري لجنوب لبنان. كل تحذير يزيد من قلقهم. في الأسبوع الماضي، أصدر الجيش الإسرائيلي تحذيرات إخلاء لجميع السكان جنوب نهر الليطاني، وهي منطقة تشكل حوالي ثمانية بالمئة من أراضي لبنان، ويقطنها مئات الآلاف. جاءت هذه الأوامر، إلى جانب الضربات الإسرائيلية المستمرة، بعد أن أطلق “حزب الله”، الجماعة المسلحة المدعومة من إيران في لبنان، صواريخ على شمال إسرائيل ردًا على الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران. كما دعت إسرائيل إلى إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث يسيطر “حزب الله”، وأجزاء من وادي البقاع الشرقي.
وكانت النتيجة نزوحًا هائلًا: أكثر من 830,000 شخص، أي حوالي 14 بالمئة من سكان لبنان، اقتلعهم النزوح، وفقًا لوزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية. وقالت “هيومن رايتس ووتش”، في الأسبوع الأول من آذار، إن دعوة الجيش الإسرائيلي إلى الإخلاء الفوري لكل من جنوب نهر الليطاني قد تنتهك قوانين الحرب. قالت المجموعة إن الطابع الشامل للمكالمة أثار الشكوك حول حماية المدنيين. وقد أُجبر الكثيرون في جنوب لبنان الآن على مغادرة منازلهم للمرة الثانية خلال أقل من عامين، خاصة خلال حرب عام 2024 بين إسرائيل و”حزب الله”. بعضهم عاد مؤخرًا فقط، محاولًا إعادة البناء واستعادة الحياة الطبيعية، حتى مع استمرار إسرائيل في ضرب ما وصفته بأهداف “حزب الله” في المنطقة لأكثر من عام.
قرى مدمرة… وناس ينامون في السيارات
بين تشرين الأول 2023 وكانون الثاني 2025، تعرض أكثر من 10,000 مبنى في جنوب لبنان لأضرار أو تدمير جسيم، ما أدى إلى تحوّل قرى حدودية بأكملها إلى أنقاض، وفقًا لمنظمة العفو الدولية. وقالت ميرنا سلمان، التي نزحت في 2024، ومرة أخرى مؤخرًا، إنها هربت إلى بيروت من قرية مجدل سلم في جنوب لبنان، حيث تملك مزرعة. قالت السيدة سلمان إنها فرت إلى الجنوب لتقيم مع أقاربها في الضاحية، لكن نداءات الإخلاء الإسرائيلية دفعتها شمالًا إلى وسط بيروت. أطفالها الثلاثة، بمن فيهم طفل يبلغ من العمر سبعة أشهر، ينامون في سيارتهم ليبقوا دافئين، بينما يتجمع البالغون في خيمة هشة بالكاد تحجب البرد. “نفتقد الوطن، لكن علينا أن نتحلى بالصبر”، كما قالت.
أكثر من 830,000 شخص، أي حوالي 14 بالمئة من سكان لبنان، اقتلعهم النزوح، وفقًا لوزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية.
هدنة 2024 لم تُنهِ المأساة
انتهت حرب 2024 بين إسرائيل و”حزب الله” بوقف إطلاق نار هش، لكن شروط الهدنة لم تخفف كثيرًا من حالة عدم اليقين لدى من اقتلعوا من الجنوب. نص الاتفاق على انسحاب كامل من إسرائيل بحلول أواخر كانون الثاني، لكن القوات الإسرائيلية استمرت في السيطرة على خمس نقاط داخل لبنان. قال المسؤولون الإسرائيليون إن قواتهم ستبقى لحماية المدن الإسرائيلية على الحدود الشمالية.
“الجنوب أفضل من كل بيروت”
على واجهة بيروت البحرية، قالت السيدة ملحص، التي كانت تصوم في شهر رمضان المبارك، إنه من الصعب تصديق أنها ستقضي احتفال العيد القادم في الشوارع. وقالت: “الجنوب أفضل من كل بيروت”. ورفعت يديها، مستذكرة التلال الخصبة، والبساتين العطرة، وأشجار الحمضيات والتبغ والزيتون في منطقتها الأصلية. تمتلك عائلتها أراضي زراعية هناك. وقالت: “نحن نحب أرضنا، ونريد العودة”.
من ذاكرة تحرير 2000 إلى هاجس “مخيمات العودة”
تعكس الصورة الميدانية لتطورات الجنوب الجارية، في موازاة الصورة الإنسانية، مسار أحداث بدأت للتو، ولا ضير في وصفها بأنها أحداث تاريخية. يستطيع خيال المرء فقط إنتاج صورة مستقبلية تستعير من ذاكرة عام 2000 ما لزم من أجل رؤية الجنوبيين يعودون إلى ديارهم، الذين اضطروا إلى تركها إبان الاجتياح الإسرائيلي الكبير للبنان عام 1982. كما يستطيع الخيال نفسه استعارة ما لزم من تجارب هائلة عاشها الفلسطينيون الذين اضطروا إلى مغادرة وطنهم، فلسطين، قبل 78 عامًا، وحط رحال اللاجئون الأوائل في أقطار المنطقة المحيطة بوطنهم، الذي أصبح اليوم يحمل اسم إسرائيل. ومن بين هذه أقطار اللجوء كان لبنان، حيث يعيش اليوم أحفاد اللاجئون الأوائل في مخيمات تحمل منذ 78 عامًا عنوان “مخيمات العودة”.
أي مصير ينتظره الجنوبيون النازحون خارج جنوب الليطاني؟

