كان آخر تقرير في هذا السياق في 26 شباط الماضي. وانطلقت خلاصة التقرير السابق من الآتي:
“تعامل «حزب الله» مع الأنباء المتعلقة باحتمال استهداف إسرائيل مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت بطريقة تفوّقت على تعاطيه مع المجزرة التي أوقعتها إسرائيل يوم الجمعة الماضي (20 شباط) بقيادييه في منطقة البقاع”.
اليوم، أصبح موضوع المطار وراءنا، ليس فقط من الناحية الزمنية فحسب (11 يوماً)، بل من ناحية ما وصلت إليه أوضاع لبنان، الذي عاد إلى مسرح الحرب التي كان آخرها في أيلول 2024. وتبدو ملامح الحرب التي افتتحها «حزب الله» في الثاني من آذار الحالي ببضع صواريخ وجّهها إلى شمال إسرائيل، بمثابة الإعلان عن حرب حاسمة ستقرّر بقاء الحزب نهائياً.
التقرير الإسرائيلي: لماذا عاد الحزب إلى القتال؟
نحتاج، كالعادة، إلى المعلومات الإسرائيلية كي ندرك الأسباب التي أتاحت لـ**«حزب الله»** الذهاب إلى حرب جديدة، بعد حرب أنزلت به خسائر فادحة طالت بنيانه بالكامل، وعلى رأسها النيل من أمينه العام السيد حسن نصرالله.
نشر رون بن-يشاي أمس تقريراً في موقع يديعوت أحرونوت الإلكتروني حمل عنوان:
“قد تحوّل إسرائيل الموارد من إيران مع اقتراب «حزب الله» من الحدود الشمالية”.
وجاء في مستهل التقرير:
“بينما يركز الجيش الإسرائيلي الاستخبارات والقوة الجوية على إيران، تعمل قوة الرضوان التابعة لـ«حزب الله» مرة أخرى بالقرب من نهر الليطاني، مستخدمة طائرات بدون طيار وصواريخ مضادة للدبابات لاستهداف القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان”.
عودة «الرضوان» إلى حدود الليطاني
يضيف التقرير:
“خلال السنة الثانية من الحرب، في 2024، استهدف «حزب الله» القوات الإسرائيلية ومنشآت سيطرة القوات الجوية الإسرائيلية باستخدام صواريخ مضادة للدبابات أطلقت من مسافات تتراوح بين خمسة إلى ستة كيلومترات من الحدود. في ذلك الوقت، استثمر الجيش الإسرائيلي استخباراتياً وقوة نارية كبيرة لدفع التنظيم الشيعي شمال نهر الليطاني وخارج مدى معظم أسلحته المضادة للدبابات الفعالة.
الآن، بدأ «حزب الله» في إعادة فرق صواريخ مضادة للدبابات صغيرة إلى المناطق التي انسحب منها. وتستهدف هذه الوحدات القوات الإسرائيلية المنتشرة في مواقع دفاعية أمامية تهدف إلى منع الهجمات على المجتمعات الشمالية الإسرائيلية”.
ومن المفارقات أن نشر القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان كجزء من هذا الدفاع الأمامي قرّبها من مدى صواريخ «حزب الله» المضادة للدبابات وقذائف الهاون المتمركزة في منطقة بدر (تسمية «حزب الله») شمال الليطاني. هذا القرب هو السبب الرئيسي لارتفاع عدد الضحايا الإسرائيليين.
ولمواجهة التهديد، سيحتاج الجيش الإسرائيلي إلى تطوير قدرات جمع استخباراتية وضربات جوية بشكل متزايد وبسرعة، حتى مع استمرار العمليات ضد إيران.
قدرات الحزب بعد الحرب
ويتابع تقرير يديعوت أحرونوت القول:
“لا يزال «حزب الله» يمتلك قدرات كبيرة. ويُقدّر أن «حزب الله» يحتفظ بحوالي 20 بالمئة من قدراته العسكرية الأصلية. ولا تزال المنظمة تمتلك حوالي 25,000 صاروخ وصاروخ، معظمها قصير المدى. والمئات من هذه الصواريخ موجهة بدقة وقادرة على الوصول إلى منطقة تل أبيب الحضرية.
نشر القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان كجزء من هذا الدفاع الأمامي قرّبها من مدى صواريخ «حزب الله» المضادة للدبابات وقذائف الهاون المتمركزة في منطقة شمال الليطاني
كما تحتفظ بآلاف الصواريخ المضادة للدبابات التي لم تُدمّر بعد، بالإضافة إلى صواريخ مضادة للسفن تهدد منصات الغاز البحرية الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، أعادت قوة الرضوان النخبوية التابعة لـ«حزب الله» بناء قوتها، ويبلغ عددها حالياً حوالي 5,000 مقاتل. وتنتشر هذه القوات في تشكيل أكثر تشتتاً من قبل، خاصة في منطقة بدر شمال نهر الليطاني”.
وقال التقرير:
“تفيد المعلومات الاستخباراتية أن العديد من مقاتلي الرضوان يعملون ضمن فرق مضادة للدبابات، ويتمركزون على بعد حوالي خمسة كيلومترات من الحدود الإسرائيلية، وأحياناً أقرب. من هناك، يجمعون معلومات استخباراتية عن تحركات القوات الإسرائيلية ويحددون أهدافاً للصواريخ قصيرة المدى والصواريخ المضادة للدبابات”.
المراقبة والطائرات المسيّرة
ووفقاً لتقارير في وسائل الإعلام اللبنانية والغربية، يستخدم عناصر الرضوان مواقع مراقبة أرضية وطائرات بدون طيار لتحديد مواقع تجمعات القوات الإسرائيلية التي تعمل على الخطين الأول والثاني من القرى قرب الحدود الإسرائيلية.
وتعمل هذه الفرق في المراقبة ليلاً ونهاراً. وأفادت التقارير أن مقاتلي الرضوان حددوا قوافل لوجستية وتجمعات كثيفة للقوات الإسرائيلية، بما في ذلك القوات المتمركزة في مواقع دفاعية أو مواقع مؤقتة.
وتولّد الوحدات الإسرائيلية المعززة المنتشرة داخل لبنان حركة مادية وإشارات إلكترونية يمكن لـ«حزب الله» اكتشافها واستغلالها.
وتطلق قوات الرضوان صواريخ مضادة للدبابات وصواريخ قصيرة المدى من مناطق شمال نهر الليطاني، كان من المفترض أن تكون في الأصل نقطة انطلاق لهجوم «حزب الله» المخطط على إسرائيل والاستيلاء على أجزاء من الجليل.
بدلاً من ذلك، عاد «حزب الله» إلى هذه المناطق ويشن هجمات منها، بينما تدخل فرق مقاتلة صغيرة مناطق أقرب إلى القوات الإسرائيلية في محاولة لإلحاق خسائر أو أسر الجنود.
وفقاً لتقارير في وسائل الإعلام اللبنانية والغربية، يستخدم عناصر الرضوان مواقع مراقبة أرضية وطائرات بدون طيار لتحديد مواقع تجمعات القوات الإسرائيلية
الجيش اللبناني ومعضلة الجنوب
وأشار تقرير يديعوت أحرونوت إلى أن “الجيش اللبناني غير قادر على وقف التسلل بالكامل، ما أدى إلى نمو عدد وحدات الرضوان العاملة في منطقة بدر بشكل كبير في الأسابيع الأخيرة. كما عبر بعضهم نهر الليطاني إلى المناطق جنوبه.
عندما تحدث هذه التحركات علناً، يتدخل الجيش اللبناني أحياناً ويمنعها. لكن عندما يحدث التسلل عبر طرق سرية، يكافح الجيش اللبناني لمنعها.
ويحتفظ «حزب الله» أيضاً بالقدرة على إطلاق صواريخ مضادة للدبابات إيرانية الصنع. هذه الصواريخ هي في الأساس نسخ من صاروخ سبايك الإسرائيلي، ويمكن توجيهه بدقة عالية باستخدام نظام توجيه بصري، ما يسمح بإطلاقه من مواقع مخفية ليلاً ونهاراً”.
أشار تقرير يديعوت أحرونوت إلى أن “الجيش اللبناني غير قادر على وقف التسلل بالكامل، ما أدى إلى نمو عدد وحدات الرضوان العاملة في منطقة بدر بشكل كبير
ثلاث خطوات تقترحها إسرائيل
ويمضي التقرير إلى القول:
“ثلاث خطوات يجب على إسرائيل القيام بها في هذا الوضع.
الخطوة الأولى والأهم هي تكثيف جمع المعلومات الاستخباراتية باستخدام أي موارد يمكن تحويلها من الجبهة الإيرانية، والهدف هو تحديد مواقع فرق «حزب الله» المضادة للدبابات وقاذفات وقذائف الهاون التي تعمل بالقرب من نهر الليطاني وحوله.
الخطوة الثانية هي القوة النارية السريعة والمستمرة لحماية القوات الإسرائيلية على الأرض. ويشمل ذلك الضربات الجوية وقصف المدفعية التي تستهدف المناطق التي قد يشن منها «حزب الله» هجمات، حتى عندما تفتقد المعلومات الاستخباراتية الدقيقة.
ومع ذلك، فإن كل طائرة مخصصة للعمليات في لبنان — سواء كانت طائرات بدون طيار أو مروحيات أو طائرات مقاتلة — هي طائرة متاحة للحملة ضد إيران. وهذا يعني أنه يجب تحقيق توازن بين الاستخبارات والقوة النارية بين الجبهتين.
أما الخطوة الثالثة فتتعلق بالسلوك العملياتي للقوات الإسرائيلية المنتشرة في مواقع أمامية داخل لبنان. ويتطلب ذلك ستاراً دخانياً، وحركات صغيرة وأكثر تشتتاً للقوات، وغطاءً مدفعياً ثقيلاً لجميع القوات المناورة. بدون هذه الإجراءات، تخاطر القوات الإسرائيلية بمواصلة الخسائر”.
احتمال الاجتياح البري
ويخلص التقرير الإسرائيلي إلى القول:
“إن مناورة أرضية كبيرة محتملة من وحدات الصواريخ والطائرات المسيرة الأثقل لـ«حزب الله» تسبب حالياً أضراراً أقل لأن أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية تحسنت بشكل كبير وتعترض معظم الإطلاقات.
لكن التهديد الأكبر يأتي من الصواريخ المضادة للدبابات والقاذفات قصيرة المدى التي تستهدف القوات الإسرائيلية على الأرض.
قد يكون الحل النهائي مناورة برية كبيرة عميقاً في لبنان، مستهدفة مناطق إطلاق «حزب الله» في منطقة بدر — بين نهري الليطاني والأولي — بالإضافة إلى مناطق قرب بيروت ووادي البقاع.
ومع ذلك، طالما استمرت الحملة ضد إيران، يجب على إسرائيل أن تعطي الأولوية لتلك الجبهة وتنتظر حتى تسمح الظروف بمثل هذه المناورة، إذا كانت لا تزال ضرورية”.
ضغط داخلي محتمل على الحزب
ويضيف التقرير:
“هناك أيضاً احتمال أنه إذا بدأ النظام الإيراني في الضعف أو الانهيار، قد يعيد «حزب الله» النظر في استراتيجيته ويوقف هجماته.
الضغط من سكان لبنان — بما في ذلك أكثر من نصف مليون من السكان الشيعة الذين نزحوا من جنوب لبنان وضواحي بيروت الجنوبية — قد يدفع «حزب الله» في نهاية المطاف إلى ضبط النفس ويجعل الهجوم البري الإسرائيلي الكبير غير ضروري”.
قد يكون الحل النهائي مناورة برية كبيرة عميقاً في لبنان، مستهدفة مناطق إطلاق «حزب الله» في منطقة بدر — بين نهري الليطاني والأولي — بالإضافة إلى مناطق قرب بيروت ووادي البقاع.
خلاصة التقرير وتداعياته في لبنان
يتيح التقرير الإسرائيلي خلاصة مفادها أن «حزب الله» استعاد القدرة على خوض حرب جديدة ضد إسرائيل.
وأظهرت النتائج لاشتعال الحرب مجدداً منذ 2 آذار الجاري أن لبنان غرق مجدداً في آتون من الدماء والدمار والنزوح، ما زال مستمراً ومتفاقماً.
لكن ما يلفت الانتباه في التقرير قوله إن الجيش اللبناني غير قادر على وقف التسلل بالكامل لفرق «حزب الله» إلى جنوب الليطاني.
وقد أتت هذه الإشارة في وقت واحد مع أزمة بدأت تتفاقم على مستوى قيادة الجيش اللبناني، ويلوح في هذه الأزمة احتمال تغيير قائد الجيش الحالي.

