صراع العروش والعدالة المفقودة: اللوبي اللبناني في أمريكا بين تقليدية الداخل وشفافية المغترب

منى فياض

في أحد الأعمال الدرامية التاريخية، يجري حوار فلسفي عميق يختزل أزلية الصراع بين السلطة والعدالة. يُخاطب صاحب العرش ابنه بالقول: «إن أردت حماية أحد فلا تكشف عن نواياك، إن أردت ربح شيء، فتعلم أن تتخلى عن غيره.. الربح بالخسارة.. هذه هي السياسة». لكن الرد يأتي مدوياً من وليّ عهد ثائر يرفض البراغماتية العقيمة: «لن أعيش بهذه الطريقة، سأخاطر بحياتي كي أصون العدل.. أن تضع الشخص المناسب في المكان المناسب حيث ينتمي، أن تأخذ ممن لديه شيء لا يستحقه وتعطيه لمن يستحقون. هذا واجبك كملك».

هذا الانقسام الفلسفي ليس مجرد نص درامي، بل هو مرآة دقيقة تفصل بين نمطين من التفكير السياسي في الفضاء اللبناني: السياسة التقليدية منذ عقود القائمة على نهج “الربح بالخسارة”، التي تُبنى فيها العروش الحزبية على حساب حقوق المواطن وكفاءته؛ وتعتمد على المحاصصة الطائفية، وسياسة إخفاء النوايا، والتضحية بالحقوق العامة لحماية “العروش” والمكتسبات الحزبية، حيث يُحرم المستحق ويُكافأ من لا يستحق بناءً على الولاء لا الكفاءة.

نجد في المقابل، السياسة الشفافة للاغتراب واللوبي اللبناني في الولايات المتحدة، والتي تمثل صرخة الملك الثائر المطالبة بالجدارة، وحكم القانون، والمؤسسات الحديثة لانتشال الوطن من مستنقع الفساد.

عائلة الريحاني.. الجذور الفكرية للاغتراب

إن قوة اللوبي اللبناني في أمريكا لم تولد من فراغ، بل استندت إلى إرث فكري صلب يمتد لأكثر من قرن، تشكل عائلة الريحاني عموده الفقري. انطلقت الجذور مع المفكر والأديب الكبير أمين الريحاني، أحد أبرز رواد “أمريكا العربية”، وصاحب الرؤية السباقة التي دعت إلى التحرر من الإقطاع السياسي والفكري.

في هذه الحاضنة الملهمة، ونشأتها في منزل والدها الأديب والناشر ألبرت فارس الريحاني، صُقل وعي السيدة مي الريحاني. لم تكتفِ بكونها وريثة عائلة أدبية عريقة، بل حفرت اسمها كقائدة عالمية وخبيرة دولية في مجالات التنمية البشرية، وتمكين المرأة، والتعليم في أكثر من 40 دولة. وترجمت هذا الإرث أكاديمياً، عبر إدارتها لـ “كرسي جبران خليل جبران للقيم والسلام” في جامعة ميريلاند الأمريكية، قبل أن تنقل هذه الرؤية المؤسساتية إلى العمق اللبناني عبر مشروعها الإنقاذي وترشحها للانتخابات الرئاسية، حاملةً تطلعات اللوبي الاغترابي لكسر نمط المحاصصة واستعادة سيادة الدولة.

تجدر الاشارة الى ان الاغتراب اللبناني في الولايات المتحدة لا يتحرك ككتلة صماء، بل يتوزع على تيارات متباينة في منطلقاتها الفكرية، وحجم ثرواتها، ومدى فعاليتها السياسية

خريطة القوى والاغتراب اللبناني في أمريكا

إن تجربة تجمع اللبنانيين في أمريكا لم تكن وليدة الصدفة، بل بدأت كحراك ثقافي وأدبي صلب (كما تجسد في إرث الريحاني وجبران وميخائيل نعيمة)، وتطورت مع مرور العقود إلى مجموعات ومنظمات ضغط (لوبي) تتحرك في العاصمة واشنطن ومختلف الولايات.

وتجدر الاشارة الى ان الاغتراب اللبناني في الولايات المتحدة لا يتحرك ككتلة صماء، بل يتوزع على تيارات متباينة في منطلقاتها الفكرية، وحجم ثرواتها، ومدى فعاليتها السياسية، ويمكن تفكيكها موضوعياً إلى ثلاثة اتجاهات:

تيار النخب الفكرية والمؤسساتية (تجربة الـ LACC):

يمثل هذا التيار النواة الصلبة والأكثر تأثيراً للعمل الدبلوماسي الشفاف، ويمثل صرخة الملك الثائر؛ فهو يتحرك في بيئة ديمقراطية مؤسساتية تؤمن بوضع “الشخص المناسب في المكان المناسب”. لا يمارس اللوبي اللبناني سياسة الغرف المغلقة المتلاعبة، بل يعمل عبر قنوات واضحة، ويسعى لنقل مفاهيم العدالة، والكفاءة، ودولة القانون إلى العمق اللبناني. وتُعتبر السيدة مي الريحاني أحد أبرز أركانه الناشطين. لا يستند هذا التكتل إلى الثروات المالية الضخمة، بل يتشكل من أكاديميين وحقوقيين يمتلكون رأسمال فكري وثقلاً معرفياً. ينشط هذا التيار تحت مظلة “لجنة التنسيق اللبنانية-الأمريكية” (LACC)، (وينسق مع نظيره الناشط في كندا، ومن اسمائه المعروفة السيد الياس كساب هناك، والدكتور فيليب سالم في لبنان) وتتركز جهوده حول أجندة وطنية سيادية واضحة: دعم سيادة الدولة، حصر السلاح بيد الجيش اللبناني، تطبيق القرارات الدولية (1559 و1701)، والمطالبة بالشفافية المطلقة دون الانخراط في التجاذبات الإقليمية الضيقة. وله دور أساسي حالياً في العمل على بلورة موقف الادارة الاميركية من لبنان، ودعم ما اتفق على تسميته “اتفاق الإطار”.

قوة اللوبي اللبناني في أمريكا لم تولد من فراغ، بل استندت إلى إرث فكري صلب يمتد لأكثر من قرن، تشكل عائلة الريحاني عموده الفقري. انطلقت الجذور مع المفكر والأديب الكبير أمين الريحاني، أحد أبرز رواد “أمريكا العربية”

تيار أصحاب الثروات (الأغنياء التقليديون):

يضم هذا التيار شريحة واسعة من رجال الأعمال الذين حققوا نجاحات مالية هائلة في السوق الأمريكية. ورغم قدرتهم المالية الكبيرة، إلا أن فعاليتهم السياسية تكاد تكون معطلة وغائبة؛ حيث يفضل هذا القطاع تجنب مخاطر السياسة المعقدة خوفاً على مصالحهم الاقتصادية، وينكفئ دعمهم في الإطار الخيري والانساني التقليدي، دون تحويل قدراتهم إلى “لوبي ضغط سياسي منظم” قادر على التأثير في مراكز القرار بوعي استراتيجي.

اللوبي المقرب من إسرائيل (جدلية التطبيع والظهور الإعلامي):

يبرز في الساحة الأمريكية حراك لبعض المجموعات الاغترابية التي تتعجل بتبني رؤية تدعو علناً إلى السلام والتطبيع الكامل مع إسرائيل كمدخل لإنهاء أزمات لبنان، تماشياً مع الأجندات الأمريكية والإقليمية. والملفت والجاذب للانتباه هنا، هو غلبة النفوذ الطاغي لهذه المجموعات تحديداً في وسائل الإعلام اللبنانية بالداخل؛ إذ تمنحها المنصات الإعلامية مساحات واسعة ومكثفة من التغطية (بدافع الإثارة أو بتوجيهات تمويلية)، ما قد يضخم تأثيرها الفعلي في الإدارة الأميركية. هذا البروز الإعلامي المصنوع يُوهم الرأي العام اللبناني بأن هذا التيار هو اللوبي الأقوى والأكثر نفوذاً في واشنطن، في حين أن تأثيره الحقيقي على نبض الجالية الأوسع يبقى محدوداً ومثيراً للانقسام.

صراع الفكر ضد التضليل

بالعودة إلى حوار الملك الثائر، يتضح أن تجربة لجنة الـ LACC، والتيار الفكري الذي تقوده السيدة مي الريحاني، يمثلان المحاولة الحقيقية لتطبيق مبدأ “وضع الشخص المناسب في المكان المناسب” على مستوى الوعي السياسي. إن التحدي الأكبر الذي يواجه اللوبي اللبناني النزيه في أمريكا اليوم هو صراع أدوات الظهور؛ حيث يواجه الجهد الدبلوماسي الأكاديمي الرصين تهميشاً لصالح المجموعات الأكثر صخباً وتطبيعاً أو الأشد ثراءً. وهذا ما يفرض على وعي المواطن ضرورة التمييز بين البروز الإعلامي الاستعراضي، وبين العمل المؤسساتي الحقيقي الذي يحمل إرث التنوير ويسعى بصدق لبناء دولة العدالة في لبنان.

السابق
اتصال قطري – إيراني لاحتواء التصعيد… الدوحة تندد باستهداف السفن في هرمز