حزب المرتزقة والذكاء الاصطناعي يروّع اللبنانيين ويهدّد الجيش اللبناني

الانترنت

في لبنان، يبدو أن الحرب الحديثة لم تعد تُخاض فقط بالصواريخ، بل أيضاً ببرامج المونتاج.

فبينما الناس تهرب من القصف وتحمل حقائبها على الطرقات، هناك ورشة عمل رقمية تعمل بدوام كامل لإنتاج أفلام انتصار مذهلة،مروحية تتحطم هنا، جندي يُؤسر هناك، وموسيقى حماسية تجعل المشهد أقرب إلى إعلان فيلم أكشن من الدرجة الثالثة،الفارق الوحيد أن هوليوود على الأقل تعترف بأنها تصنع خيالاً، أما هنا فالخيال يُقدَّم على أنه نشرة أخبار.

والحقيقة أن هذه الصناعة لم تأتِ من فراغ،فحين يصبح الميدان أقل إقناعاً من شاشة الهاتف، يصبح الذكاء الاصطناعي أفضل جندي احتياط،ضغطة زر، صورة مركبة، ومقطع درامي كفيل بأن يعيد الأمل إلى جمهور متعطش لأي خبر يثبت أن (المقاومة) ما زالت تمسك زمام الأمور.
ليس لأن الناس ساذجة، بل لأن البشر عندما يغرقون في القلق يبحثون عن قصة تمنحهم معنى لكل هذا الخراب.

لكن المشكلة أن الإكثار من القصص البطولية الرقمية يشبه الإفراط في البهارات،في البداية يضيف نكهة، وبعد قليل يبدأ الجميع بالتساؤل عمّا تحاول إخفاءه،فالتنظيم الذي كان يتحدث دائماً بلغة (الميدان) وجد نفسه فجأة بحاجة إلى مؤثرات بصرية لإثبات وجود الميدان أصلاً. وكأن الواقع لم يعد كافياً، فاستُعين بنسخة افتراضية أكثر حماسة.

الإكثار من القصص البطولية الرقمية يشبه الإفراط في البهارات،في البداية يضيف نكهة وبعد قليل يبدأ الجميع بالتساؤل عمّا تحاول إخفاءه

وفي موازاة هذه السينما السياسية، يظهر فصل آخر من الكوميديا السوداء،تهديد الدولة نفسها،فبدلاً من أن تكون البندقية موجهة نحو الخارج فقط، تتجه اللغة فجأة إلى الداخل، نحو الجيش اللبناني ونحو كل من يجرؤ على السؤال.

وهنا يصبح المشهد سريالياً،دولة تحاول الوقوف على قدميها، وتنظيم عرف بتجارة الكبتاغون و المخدرات و تكريس ثقافة الميليشيات يتحدث معها بنبرة الأستاذ الذي يشرح للتلميذ كيف يجب أن يدير صفّه.

أما الشعار الأكثر تداولاً في هذه الأيام فهو العبارة الشهيرة: (الحساب بعد الحرب)جملة تُقال بوقار كبير، كأن هناك لجنة تدقيق كونية تنتظر انتهاء المعركة،لكن اللبنانيين الذين ينامون في المدارس أو يراقبون بيوتهم من نشرات الأخبار لديهم تفسير أبسط بكثير،الحساب الحقيقي لا يبدأ بعد الحرب… بل يبدأ في ذاكرة الناس منذ اللحظة الأولى.
ووسط هذا كله، يتسلل توتر داخلي خطير،مدن تستقبل نازحين رغم تعبها وتجاربها السابقة، ومجتمع يحاول بالكاد أن يبقي أعصابه تحت السيطرة.

دولة تحاول الوقوف على قدميها، وتنظيم عرف بتجارة الكبتاغون و المخدرات و تكريس ثقافة الميليشيات يتحدث معها بنبرة الأستاذ

ومع ذلك تستمر آلة الخطاب المهترئة في رفع الصوت، وكأن البلد يحتاج جرعة إضافية من الانقسام ليكتمل المشهد.

المفارقة الكبرى أن الخطاب لا يزال يتحدث عن (الكرامة والشرف) -من غرف الأوتيلات – بلغة عالية السقف، بينما الواقع أكثر بساطة وقسوة،عائلات في الطرقات، بلد متعب، ومواطن يحاول أن يفهم كيف تحولت حياته إلى موسم دائم من الأزمات.

تكون المشكلة أن لبنان بلد صغير جداً على كل هذه البطولات الرقمية

وبين الميدان الحقيقي والميدان الافتراضي، يقف اللبناني حائراً،هل يتابع الحرب من النافذة… أم من فيديو الذكاء الاصطناعي التالي؟

في النهاية، قد تكون المشكلة أن لبنان بلد صغير جداً على كل هذه البطولات الرقمية،فبينما تُصنع الانتصارات على الشاشات، تبقى الحياة اليومية للبنانيين واقعية جداً، ازدحام، نزوح، دماء،وابتسامة ساخرة تقول إن هذا البلد أصبح، بطريقة ما، أول دولة في العالم تخوض حرباً نصفها في الواقع… ونصفها الآخر في ملف فيديو…

السابق
غارة إسرائيلية ليلية تكسر هدوء الضاحية الحذر!
التالي
لبنان طلب مفاوضات مباشرة مع إسرائيل وكان الجواب رفضا قاطعًا