بين «ركوة» السيادة وفنجان الهوية: حين يهرب اللبنانيون من جحيم الواقع إلى معارك «القهوة» التافهة!

القهوة اللبنانية
انخرط اللبنانيون في حوارات عميقة حول ما إذا كانت القهوة تراثاً أصيلاً أم مجرد امتداد تاريخي، وتناقشوا في "فلسفة الرغوة" و"عطر الهيل"، في مشهد يجسد قدرة هذا الشعب العجيبة على اختراع سجالات تافهة للهروب من واقع مرير لا يملك فيه المواطن ثمن كيس البن نفسه.

في بلدٍ تترنح فيه البلاد بين الحرب واللاحرب وبين الملفات السياسية والأمنية الساخنة، يبدو أن اللبنانيين قرروا القفز فوق أنقاض واقعهم السياسي والأمني المنهار ليخوضوا معركةً “وجودية” داخل فنجان صغير.

فبينما تعيش البلاد مرحلةً هي الأدق والأخطر في تاريخها الحديث، وسط تزاحم الاستحقاقات، والتهديدات الأمنية التي لا تتوقف عند الحدود بل تتغلغل في يوميات القلق والخوف، يبرز إلى الواجهة “جدل القهوة” كفعلِ هروبٍ جماعي من مواجهة الكوارث الحقيقية.

لقد أصبحنا أمام مشهدٍ يختصر العبثية اللبنانية بامتياز، ففي اللحظة التي ينتظر فيها المواطن خبراً عن استقرار عملة أو انفراجٍ سياسي ينقذ ما تبقى من رمق، تصدر نقابة أصحاب المطاعم بياناً “سيادياً” يدعو لاعتماد تسمية “القهوة اللبنانية” بدلاً من “التركية”.

إنها محاولة يائسة لاختراع “بطولات ثقافية” وتفجير سجالات حول الهوية في وقتٍ تضيع فيه الهوية الوطنية الكبرى وسط الانهيار الاقتصادي والسياسي، وكأنّ تعديل اسم المشروب في قوائم الطعام هو ما سيعيد للبلاد هيبتها أو يرمم شروخها الأمنية العميقة.

فجأة، وبلا مقدمات منطقية تتناسب مع حجم الكوارث المحيطة، قررت نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري في لبنان أن الأولوية القصوى اليوم هي تغيير اسم “القهوة التركية” لتصبح “القهوة اللبنانية” على قوائم الطعام والشراب.

بيان النقابة: البحث عن “هوية” في زمن الضياع

أصدرت النقابة بياناً يوم الأربعاء، دعت فيه جميع أصحاب المؤسسات السياحية إلى اعتماد التسمية الجديدة، مبررة ذلك بالحرص على “صون الهوية اللبنانية” وتعزيز الخصوصية الثقافية والسياحية. وترى النقابة أن طريقة تحضير القهوة بأسلوبها المحلي باتت جزءاً لا يتجزأ من التراث اليومي اللبناني الذي يستوجب الاعتزاز به.

المفارقة هنا تكمن في التوقيت والمنطق، فبينما يواجه القطاع السياحي والمطعمي تحديات البقاء في ظل أزمة اقتصادية غير مسبوقة، تجد النقابة متسعاً من الوقت للتعميم على الموظفين بضرورة تغيير المصطلحات في التخاطب اليومي مع الزبائن. وكأن استرداد “سيادة الركوة” سيعوض خسائر القطاع أو يعيد ثقة السياح ببلد يترنح أمنياً وسياسياً.

سجالات “تويترية” في بلد يحترق

كالعادة، لم يمر البيان مرور الكرام، إذ انقسم الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي بين مؤيد يرى في الخطوة “استقلالاً ثقافياً”، ومعارض يسخر من تسطيح القضايا الوطنية.

وانخرط اللبنانيون في حوارات عميقة حول ما إذا كانت القهوة تراثاً أصيلاً أم مجرد امتداد تاريخي، وتناقشوا في “فلسفة الرغوة” و”عطر الهيل”، في مشهد يجسد قدرة هذا الشعب العجيبة على اختراع سجالات تافهة للهروب من واقع مرير لا يملك فيه المواطن ثمن كيس البن نفسه.

إقرأ أيضا: الخيارات المعدومة: حين يصبح الرضوخ للدولة طوق النجاة الأخير للثنائي الشيعي

هذا النوع من السجالات يعكس ظاهرة لبنانية متجذرة: الهروب من مواجهة القضايا المصيرية (مثل ودائع المصارف المنهوبة أو الوضع الأمني والسياسي) نحو معارك “طواحين الهواء” الثقافية. وبينما يغرق البلد في أزماته، يتحول فنجان القهوة إلى محور للصراع حول الهوية الثقافية والاجتماعية، وكأن تغيير الاسم سيغير الواقع المر الذي يتجرعه اللبنانيون صباح كل يوم.

القهوة بين التاريخ والواقع

تاريخياً، لا يملك لبنان ولا تركيا صك ملكية نبات البن، إذ يعود أصله إلى إثيوبيا في شرق أفريقيا. أما “الثقافة” المرتبطة بالمقهى والتحضير المطحون ناعماً، فجذورها تضرب في أعماق الدولة العثمانية، حيث افتتح أول مقهى في إسطنبول عام 1554م على يد تجار دمشقيين.

بل إن منظمة اليونيسكو أدرجت “القهوة التركية وثقافتها” رسمياً في قائمة التراث العالمي غير المادي منذ عام 2013.

ورغم أن اللبنانيين أضافوا لمساتهم الخاصة، مثل “الهيل” وتقليل المرارة مقارنة بالقوة التركية التقليدية، إلا أن الفروقات تظل “تقنية” بسيطة في عالم الطهي، ولا ترتقي لتكون مبرراً لمعارك هوية في زمن الانهيار. فالقهوة التركية مرتبطة بتقاليد رسمية كقراءة الفنجان، بينما “اللبنانية” هي رفيقة الجلسات العائلية اليومية.

عبثية البحث عن القشور

إن انشغال مؤسسات نقابية ورأي عام بـ “لبنانة القهوة” وسط الانهيار الشامل، هو تجسيد حي للعبثية السياسية والاجتماعية التي يعيشها لبنان.

فبينما تمر البلاد بأسوأ حالاتها، يبدو أن البعض يفضل الانشغال بـ “قشرة الفنجان” بدلاً من البحث عن حلول لعمق الأزمة.

لبنان لا يحتاج اليوم إلى تغيير مسميات المشروبات على القوائم السياحية، بل يحتاج إلى استعادة “هوية الدولة” التي ضاعت بين الصراعات والمصالح. فهل ستنقذ “القهوة اللبنانية” السياحة؟ أم أنها مجرد سكر زيادة في فنجان من الأوهام التي يبرع اللبنانيون في احتسائها؟

السابق
تصعيد إسرائيلي جديد جنوبًا: قصف وتمشيط يطاولان بلدات حدودية
التالي
بري من عين التينة: الانتخابات في موعدها… وحق المودعين «مقدّس» ولا مساس بالذهب