كشفت مصادر فرنسية رفيعة المستوى لصحيفة “الشرق الأوسط” عن استنفار ديبلوماسي دولي تقوده باريس بالتعاون مع “مجموعة الخمس” (الولايات المتحدة، السعودية، قطر، ومصر)، يهدف إلى تحصين السيادة اللبنانية عبر بوابة دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي.
هذا الحراك يمر بمحطتين مفصليتين: الأولى تبدأ في الدوحة منتصف الشهر الجاري، لتتوج بالقمة الكبرى في باريس مطلع مارس المقبل.
اجتماع الدوحة: هندسة “الآلية الدولية” للدعم
تتهيأ العاصمة القطرية في 15 فبراير لاستضافة الاجتماع التمهيدي لمؤتمر دعم الجيش، وهو لقاء يهدف بحسب المصادر الفرنسية إلى “تنسيق المواقف وتحضير الأرضية” قبل الانتقال إلى مؤتمر باريس.
ويشار إلى أن الغرض الأساسي من محطة الدوحة هو الاطلاع عن كثب على الاحتياجات الدقيقة للمؤسسة العسكرية، وتطوير آليات دعم مالية وعسكرية تضمن استدامة العمليات، تمهيداً للمؤتمر الموسع الذي سيُعقد في العاصمة الفرنسية يوم 5 مارس (آذار) المقبل برعاية الرئيس إيمانويل ماكرون وبمشاركة الرئيس اللبناني العماد جوزيف عون، مع توقعات بحضور زهاء 50 دولة و10 منظمات دولية.
شمال الليطاني: الاختبار الحقيقي لحصر السلاح
تؤكد المصادر أن التجاوب الدولي مع احتياجات الجيش اللبناني، والتي تقدرها باريس بما يزيد على مليار دولار سنوياً، مرتبط بشكل وثيق بمدى جدية “خارطة الطريق” التي سيعرضها الجيش اللبناني أمام مجلس الوزراء لإقرارها.
إقرأ أيضا: النووي الإيراني: مقايضة الأوهام بالحقائق.. هل تلد المفاوضات اتفاقاً يمنع الانفجار أم يشرعن الصدام؟
وتتجه الأنظار حالياً نحو “المرحلة الثانية” من عملية حصر السلاح، والتي ستمتد من نهر الليطاني وصولاً إلى نهر الأولي شمال صيدا.
ويشكل هذا الملف تحدياً ديبلوماسياً كبيراً، لا سيما في ظل الجدال الداخلي والموقف الذي يسوقه “حزب الله” بأنه استكمل واجباته جنوب الليطاني وليس لديه ما يقدمه في الشمال، وهو ما يضعه المجتمع الدولي تحت مجهر القرار 1701.
المساعدات: أبعد من الدعم المالي
وتوضح المصادر الفرنسية أن الدعم المرتقب لن يكون نقدياً فحسب، بل سيشمل:
- تعزيز القدرات العسكرية: عبر توفير أنظمة أسلحة متطورة.
- الدعم اللوجستي والتدريب: لتمكين الجيش من الانتشار الواسع.
- المساهمة المحلية: تشدد باريس على ضرورة أن تلحظ موازنة الدولة اللبنانية جانباً من هذه التكاليف، وعدم الاعتماد الكلي على الخارج. وفي سياق متصل، تبدو باريس مرتاحة للتطمينات التي نقلها قائد الجيش العماد رودولف هيكل حول استمرارية الدعم الأميركي، رغم بعض التوترات التي شابت لقاءاته في واشنطن.
الملف السوري والحدود: خرائط الانتداب على الطاولة
وأشارت المصادر إلى ارتياح باريس لنتائج زيارة وزير الخارجية جان نويل بارو إلى بيروت، لا سيما في ملف العلاقة مع سوريا. وترى فرنسا أن اتفاق ترحيل السجناء السوريين سيسهل معالجة ملفين استراتيجيين:
- ترسيم الحدود البرية: حيث عرضت فرنسا رسمياً استخدام خرائطها التاريخية التي تعود لفترة الانتداب لحسم نقاط النزاع الحدودي.
- النازحون السوريون: البدء بتفعيل مسار العودة الذي يعد حاجة استراتيجية للأمن القومي اللبناني.
التحدي الإسرائيلي ولجنة “الميكانيزم”
لا تخفي باريس قلقها من استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ورفض تل أبيب الانسحاب من المواقع الخمسة المحتلة. وتكشف المصادر الفرنسية عن “ازدواجية” في الخطاب الإسرائيلي؛ فبينما يقر المسؤولون في الغرف المغلقة بتراجع تهديد حزب الله جنوب الليطاني، يحاولون علناً التقليل من إنجازات الجيش اللبناني لتبرير استمرار “حرية الحركة” العسكرية الإسرائيلية. ورغم ذلك، تشجع باريس المحادثات غير المباشرة التي تجري عبر لجنة “الميكانيزم” بين المدنيين من الطرفين.
الاقتصاد والشرط الدولي: قانون الفجوة المالية
وربطت المصادر الفرنسية نجاح مؤتمرات الدعم الاقتصادي بمدى جدية الإصلاحات الداخلية. وشدد الوزير بارو خلال زيارته على ضرورة إقرار قانون “الفجوة المالية” في البرلمان اللبناني قبل اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي، معتبراً أن هذا الإجراء سيكون “إشارة إيجابية” حاسمة تشجع فرنسا على استضافة مؤتمر دولي لدعم الاقتصاد اللبناني المتعثر.

