أين الأوروبيون من الحل؟ وما هي أبرز بنود الأجندة المقبلة والمقترحات الاميركية؟
بناء الثقة، والتهدئة العسكرية قبل الملفات السياسية. هذه باختصار خارطة الطريق للعمل على إنهاء الحرب الروسية – الاوكرانية في المحادثات التي تستضيفها العاصمة الإماراتية أبوظبي بين روسيا وأوكرانيا بوساطة أميركية!
ولكن طريق السلام بين روسيا وأوكرانيا ما تزال مزروعة بألغام كثيرة وخطيرة! وهي تحتاج لمجهود ديبلوماسي جبار لمحاولة فكفكتها!
وتُعد المحادثات الروسية – الأوكرانية في أبوظبي حالياً واحدة من أهم المحطات الدبلوماسية منذ اندلاع النزاع، وخطوة جدية للبدء بعملية نزع هذه الألغام!
فقد نقلت محادثات العاصمة الإماراتية الاجتماعات من مجرد وساطات إنسانية إلى مفاوضات ثلاثية مباشرة تشارك فيها الولايات المتحدة.
وقد اتسمت جولتا المحادثات في أبوظبي في اليومين الأخيرين، ب3 خصوصيات هامة:
أ – المشاركة الأميركية: إذ يقود الوفد الأميركي المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، بمشاركة لافتة لـصهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب جاريد كوشنر، مما يعكس رغبة إدارة ترامب في حسم الملف سريعاً.
ب – الأطراف المتفاوضة: ترأس الوفد الروسي كيريل ديمترييف ومدير الاستخبارات العسكرية إيغور كوستيوكوف، بينما مثّل الجانب الأوكراني وفد رفيع المستوى بتوجيه مباشر من الرئيس الاوكراني فلودومور زيلينسكي.
ج – تعقيدات الأجواء العامة: فقد وُصفت المحادثات بالفعل أنها “معقدة للغاية” وجرت تحت ضغط ميداني كبير، خاصة مع تصعيد الضربات الروسية على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا قبيل بدء الجولة.
نجاح المحادثات بفتح الاتصالات
ومع ذلك، حققت المحادثات اختراقات ملموسة. أبرزها:
أ – تبادل أسرى هام:
إذ أُعلن في 5 شباط/فبراير الجاري عن نجاح وساطة إماراتية – أمريكية في تبادل 314 أسيراً (157 من كل جانب)، وهي العملية الأولى في هذا العام 2026.
ب – استئناف الحوار العسكري:
فقد تمّ الاتفاق على إعادة فتح قنوات التواصل العسكري المباشر بين الولايات المتحدة وروسيا لأول مرة منذ سنوات، لضمان عدم الانزلاق نحو صدام مباشر وتأمين ممرات إنسانية.
ج – كسر الجمود:
اعتُبر مجرد جلوس الأطراف الثلاثة على طاولة واحدة في أبوظبي تقدماً دبلوماسياً يتجاوز “لقاءات الصدفة” السابقة.
سيناريوهات المراحل المقبلة
ويمكن ان تحمل المرحلة المقبلة تحديات وسيناريوهات عدة حول الألغام ال 8 الأساسية، والتي تشكل نقاط الخلاف الجوهرية الكبرى بين الجانبين الروسي والأوكراني. وأبرزها:
1 – السيادة على الأراضي التي سيطرت عليها روسيا. مقابل “تجميد النزاع لا التنازل”!
تستند روسيا في مفاوضاتها إلى التفوق الميداني الحالي، وتتلخص شروطها في الاعتراف بالحدود الجديدة.
وتصر موسكو على أن أي تسوية يجب أن تتضمن اعترافاً أوكرانياً ودولياً بتبعية الأقاليم الأربعة (دونيتسك، لوغانسك، زابوروجيا، وخيرسون) بالإضافة إلى القرم للسيادة الروسية.
في حين أن أوكرانيا لا تعارض الفكرة الأميركية المطروحة، أي “التجميد لا التنازل”! أي تعترف أوكرانيا بالواقع الميداني القائم من دون الاعتراف بالسيادة الروسية على هذه المناطق.
2 – إعلان الهدنة المؤقتة ووقف إطلاق النار
تقترح أوكرانيا وقفاً لإطلاق النار وتجميد العمليات العسكرية على “خطوط التماس الحالية” من دون الاعتراف قانونياً بسيادة روسيا على الأراضي المحتلة.
علماً أن كييف تتحرك تحت ضغط شتاء قارس وهجمات على البنية التحتية، لكنها تتمسك بـموقفها الرافض للتنازل.
ومن زاوية أخرى، فإن الهدنة الشتوية المؤقتة هي إنسانية اولاً بسبب البرد والثلوج وعدم وجود وسائل تدفئة كافية. ولكن لم يجرِ التوصل الى إعلان هذه الهدنة بعد!
وفي الواقع، تضغط واشنطن من أجل “هدنة تقنية” بسبب الظروف الجوية القاسية، لتكون مدخلاً لوقف دائم للعمليات القتالية.
3 – الضمانات الأمنية الدولية
تطالب أوكرانيا بضمانات أمنية دولية مقابل أي تنازل أو وقف إطلاق نار. هناك الضمانات الامنية المستدامة والضمانات الامنية الفورية.
في الضمانات الأمنية “الفورية”، تطالب كييف بآلية استجابة سريعة (خلال 24-72 ساعة) في حال خرق روسيا للهدنة، تشمل تدخلاً عسكرياً من “تحالف الراغبين” (بما في ذلك قوات أمريكية وأوروبية).
من الجانب الروسي، لا يمكن أن تكون الضمانات الأمنية إلا خارج “الناتو”، وخارج الجيوش الأوروبية… في الضمانات المستدامة!
وفي الواقع، هذا الجزء هو الأكثر تعقيداً في الخطة الاميركية، التي تتضمن:
– تأجيل انضمام أوكرانيا لحلف الناتو لفترة طويلة (تصل لـ 20 عاماً) لإرضاء موسكو.
– في المقابل، تلتزم واشنطن بمواصلة تسليح أوكرانيا بشكل دفاعي مكثف لردع أي هجوم مستقبلي، مع توقيع اتفاقيات أمنية ثنائية قوية تضمن التدخل السريع في حال خرق الهدنة.
وكذلك أبدى الكرملين رفضاً قاطعاً للمقترح الأوكراني – الأوروبي بنشر قوات حفظ سلام أوروبية على خط التماس.
4 – نزع السلاح الاوكراني والحياد
تطلب روسيا وضع سقف لقدرات الجيش الأوكراني ومنع وجود أي قوات أجنبية أو قواعد لحلف الناتو على الأراضي الأوكرانية بشكل دائم.
5 – رفع العقوبات الشامل عن روسيا
تشترط موسكو جدولة زمنية واضحة لرفع كافة العقوبات الغربية المفروضة عليها كجزء من الاتفاق النهائي.
6 – حماية مصادر الطاقة الأوكرانية
تطالب أوكرانيا بوقف كامل للضربات على منشآت الطاقة، وهو ما تعتبره اختباراً لجدية موسكو.
7 – إنشاء مناطق عازلة
لا تبدو روسيا معارضة بالكامل لإنشاء مناطق عازلة على الحدود الروسية – الأوكرانية كأساس للهدنة ولوقف إطلاق النار. ولكن المشكلة تبقى في تحديد العمق لهذه المناطق.
8 – الانضمام للاتحاد الأوروبي
ترغب اوكرانيا بالتمسك بمسار الاندماج الأوروبي كضمانة اقتصادية وسياسية للمستقبل.
أجندة المرحلة المقبلة
لم يتمّ الإعلان عن تاريخ دقيق للموعد المتوقع للجولة الثالثة من المحادثات. ولكن من المرجح أن تُعقد الجولة الثالثة في النصف الثاني من هذا الشهر (غالباً بين 20 و25 شباط/فبراير الجاري)، وذلك لتقييم مدى الالتزام بنتائج تبادل الأسرى.
وكذلك ستكون هناك اجتماعات “عن بُعد” أو عبر قنوات أمنية وسيطة الأسبوع المقبل لمناقشة التفاصيل التقنية المتعلقة بـ “خريطة الهدنة الشتوية” قبل العودة لطاولة المفاوضات في أبوظبي.
اما أبرز بنود أجندة المرحلة القادمة هي:
أ – انتقال المفاوضات في الجولة الثالثة من “الملفات الإنسانية” إلى “الملفات الميدانية السيادية”،
وهي المرحلة الأصعب. وبينها:
– تثبيت “الهدنة التقنية”: الضغط من أجل وقف إطلاق نار مؤقت (أو خفض التصعيد) للسماح بإصلاح شبكات الطاقة الأوكرانية المتضررة.
– مناقشة “المناطق العازلة”: سيبحث الوسطاء إمكانية إنشاء مناطق منزوعة السلاح أو خاضعة لرقابة دولية (بمشاركة أطراف محايدة) على خطوط التماس الحالية.
– دور الضمانات الأمنية: ستحاول واشنطن تقديم مسودة أولية لضمانات أمنية لأوكرانيا لا تتضمن الانضمام للناتو، مقابل تنازلات روسية ميدانية.
تحركات دبلوماسية موازية واستبعاد أوروبي من الحل!
من المتوقع أن يزور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بكين في الأسابيع المقبلة. وستنعكس نتائج هذه الزيارة مباشرة على موقف روسيا في الجولة المقبلة. في أبوظبي.
من جهة أخرى، يسعى القادة الأوروبيون لعقد قمة طارئة للتنسيق مع إدارة الرئيس ترامب لضمان أن يكون لأوروبا مقعد في “الصيغة النهائية” للاتفاق، خاصة في ملف قوات حفظ السلام.
إذ يلهث الأوروبيون وراء الأميركيين لإيجاد مقعد لهم في الحل النهائي، على الرغم من إضاعتهم لعشرات الفرص للعب دور الوسيط وإطفاء الحرب التي تجري على الأرض الأوروبية.
ولكن الأميركيين يستبعدون الأوروبيين عن الحل!
تمّ استبعادهم في ألاسكا، ويتمّ استبعادهم في أبوظبي،بالإضافة الى الاشكالات الكبرى المتعلقة بشأن غرينلاند والضرائب الجمركية والناتو وغيرها!
وستكون الأيام القليلة المقبلة حاسمة لمراقبة “الثقة” بين الأطراف؛ فإذا صمد تبادل الأسرى ولم يحدث تصعيد كبير على الجبهة، ستكون الجولة الثالثة في أبوظبي هي “جولة الحسم” لوضع مسودة اتفاق السلام.
أبرز مقترحات الحل الاميركية
لا تسعى الخطة الأميركية لحل تاريخي شامل بقدر ما تسعى لاتفاق “واقعي وسريع” يوقف النزيف العسكري. وأبرز بنودها:
1. مبدأ “التجميد لا التنازل” (Freeze for Peace)
اي تجميد الصراع على طول خط المواجهة الحالي، مما يعني بقاء القوات الروسية في المناطق التي تسيطر عليها حالياً) من أوكرانيا بسيادة روسيا عليها،
وهو اعتراف بالأمر الواقع (De Facto). من دون اعتراف قانوني (De Jure).
2 – إنشاء منطقة منزوعة السلاح
إنشاء منطقة بعمق محدد بين الطرفين، تشرف عليها قوات مراقبة دولية (يُقترح أن تكون أوروبية أو من دول محايدة، مع استبعاد القوات الأمريكية المباشرة).
3. “خطة الرد السريع” (Enforcement Plan)
تتضمن الخطة بنداً يسمى “آلية الفرض”؛ حيث وافقت أوكرانيا ضمنياً على أنه في حال انتهاك روسيا لوقف إطلاق النار، فإن واشنطن وحلفاءها سيفعلون حزمة عقوبات “تلقائية وقاسية” وسيزودون أوكرانيا بأسلحة نوعية فوراً من دون الحاجة لمشاورات طويلة.
4. المقايضة الاقتصادية. أي إعادة الإعمار لقاء تخفيف العقوبات.
تبدأ واشنطن برفع تدريجي للعقوبات عن روسيا مقابل خطوات ملموسة في الانسحاب من مناطق معينة أو تسهيل ممرات تجارية.
وتلمح الخطة إلى دور لرجال أعمال دوليين (وهنا يأتي دور ويتكوف وكوشنر بخلفيتهما العقارية) في قيادة جهود إعادة إعمار أوكرانيا بتمويل دولي، مما يجعل السلام “مجزياً” اقتصادياً لجميع الأطراف.
ضغط أميركي ومساهمة إماراتية
تلعب دولة الإمارات دوراً محورياً في هذه المفاوضات، إذ ستستمر بمثابة المقر الرئيسي للجولات القادمة نظراً لموقفها المتوازن وقدرتها على استضافة استخبارات وممثلي الأطراف في بيئة آمنة ومحايدة.
الى جانب دولة الامارات التي تستضيف المحادثات، تمثل إدارة الرئيس ترامب حالياً القوة الدافعة خلف هذه الجولة.
ويحاول المبعوث الأميركي “ستيف ويتكوف” الوصول إلى “صيغة هجينة” ترضي روسيا ميدانياً (تجميد النزاع) وترضي أوكرانيا أمنياً (تسليح مستمر وضمانات دولية).
كما تحاول ان تعتمد على المقايضة الاقتصادية. وذلك، بالتلميح بإمكانية تخفيف العقوبات عن روسيا مقابل تنازلات في عمق المناطق التي تسيطر عليها أو في ملفات الطاقة.
ومع ذلك، ما تزال روسيا واوكرانيا تعيشان في “عالمين منفصلين” في الجانب السياسي.
في الواقع، لا يكفي تصريح المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف قبل ساعات أن “مسألة واحدة متبقية” للحل، مما يشير إلى أن الطرفين قد وافقا على 90% من بنود الخطة، والخلاف المتبقي يتمحور غالباً حول عمق المنطقة المنزوعة السلاح وتوقيت رفع العقوبات.
إذ لا يمكن اعتبار “تجميد الصراع” من دون اعتراف رسمي من الطرفين حلاً مستداماً. فهو لا يتعدى كونه مجرد تأجيل للحرب. حرب لم تتوقف بعد!

